اقتربت الساعة، بينما كان الشارع المصرى يغلى تحت أقدام الجماعة، وظلت قيادات الإخوان تتصرف وكأنها تعيش فى عالم آخر.
ولعل المتنبى كان يصف هذه اللحظة حين قال:ذو العقل يشقى فى النعيم بعقلهوأخو الجهالة فى الشقاوة ينعمفبينما كان المصريون ينشغلون بالإعداد لثورة تقتلع حكم الجماعة من جذوره، كانت قيادات الإخوان غارقة فى أوهام القوة والتمكين، لا ترى ما يراه الجميع، ولا تسمع ما كان يملأ الشوارع والميادين.
كانت استمارة حركة «تمرد» تنتشر فى أنحاء البلاد انتشار النار فى الهشيم، حتى بدت أقرب إلى ذلك التوكيل الشعبى الذى منحه المصريون لسعد زغلول قبل ثورة 1919.
وكانت تلك التوقيعات المتدفقة بمثابة المسمار الأخير فى نعش حكم الجماعة، لكن الله طمس على أبصار قادتها فلم يدركوا أن الشمس قد بدأت تشرق من جديد فوق مصر.
وفى الخامس عشر من يونيو اجتمع خيرت الشاطر مع كبار قيادات الجماعة داخل قصر الاتحادية، فى رسالة رمزية تؤكد يقينهم بأن الحكم باقٍ فى أيديهم إلى أجل غير مسمى.
حضر الاجتماع محمد مرسى، ومحمد بديع، ومحمود عزت، ومحمود غزلان، ورشاد البيومى، وعصام الحداد، وأحمد عبدالعاطى.
وافتتح الشاطر اللقاء مؤكداً أن الأمور تسير على أفضل ما يرام، وأن الشعب المصرى لا يمكن أن يثور على الإخوان.
خرج المجتمعون مطمئنين، وأصدر محمود عزت منشوراً داخلياً جرى تعميمه على المكاتب الإدارية، يؤكد أن شرعية مرسى ليست موضع تهديد، وأن الشعب لن يستجيب لدعوات الخروج على الحكم.
غير أن ما كان يجرى فى القمة لم يكن يشبه ما كانت تراه القواعد على الأرض.
فبينما كانت الرسائل التنظيمية تبث الطمأنينة، كانت الشوارع تموج بالغضب، وكانت حركة «تمرد» تحقق نجاحاً متصاعداً، فى حين فشلت محاولات الجماعة فى إطلاق حملة مضادة تحت اسم «تجرد»، وتحولت إلى مادة للسخرية على مواقع التواصل الاجتماعى.
ومع اقتراب العشرين من يونيو أخذ القلق يتسلل إلى بعض القيادات، فانعقد اجتماع جديد فى الفيلا الخاصة بخيرت الشاطر بالتجمع الخامس.
وهناك ألقى الشاطر ما يشبه المحاضرة السياسية أمام الحاضرين، مؤكداً أن الشعب المصرى لا يمكن أن يثور مرتين خلال عامين، وأن الشعوب تحتاج إلى عقود طويلة حتى تستعيد طاقة الثورة.
واستند إلى مقارنة تاريخية رأى فيها أن الفاصل الزمنى بين ثورة القاهرة الأولى ضد الحملة الفرنسية وثورة 1919 تجاوز المائة عام، وأن ثورة يناير جاءت بعد نحو تسعين عاماً من ثورة 1919، ومن ثم فإن مصر بحسب منطقه لن تشهد ثورة جديدة إلا بعد نحو قرن من الزمان.
ولم يكتفِ بذلك، بل أكد أن استطلاعات الرأى التى أجرتها جهات قريبة من الجماعة تشير إلى أن عدد المتظاهرين المحتملين لن يتجاوز عشرة آلاف شخص، وأنهم سيغادرون الشوارع قبل غروب الشمس.
انتهى الاجتماع وقد عاد الاطمئنان إلى بعض القيادات، لكن القواعد التنظيمية كانت ترى صورة مختلفة تماماً.
ثم جاء تصريح وزير الدفاع الفريق أول عبدالفتاح السيسى فى الثالث والعشرين من يونيو، معلناً منح القوى السياسية مهلة للتوافق وإنهاء حالة الاحتقان.
والمفارقة أن الجماعة استقبلت هذا التصريح باعتباره دعماً لها وتحذيراً لخصومها، لا إنذاراً أخيراً قبل لحظة فاصلة فى تاريخ البلاد.
وبعد يومين فقط، عادت القيادات إلى الاجتماع فى الفيلا نفسها.
وهناك تحدث الشاطر بثقة مفرطة، مؤكداً أنه أبلغ السيسى بأن الإخوان سيظلون فى الحكم خمسمائة عام، وأن أحداً لن يستطيع انتزاع السلطة منهم، مستندين إلى ما يمتلكونه من مال ونفوذ وعلاقات خارجية.
ثم جاء الثلاثون من يونيو، خرج المصريون بالملايين إلى الشوارع والميادين فى مشهد غير مسبوق، وواصلت الحشود تدفقها حتى ساعات المساء، متجاوزة كل الحسابات والتقديرات التى بنت عليها الجماعة أوهامها.
ولم تعد القضية عدد متظاهرين أو حجم حشد، بل تحولت إلى موجة شعبية جارفة لم يعد بالإمكان تجاهلها أو احتواؤها.
وعندما أصدرت القوات المسلحة بيانها الشهير ومنحت مهلة للقوى السياسية للاستجابة لمطالب الشعب، كان المشهد قد حُسم بالفعل فى الشارع.
فقد سبق ذلك خطاب لمحمد مرسى أعلن فيه رفضه الاستجابة للمطالب المطروحة أو القبول بانتخابات رئاسية مبكرة، الأمر الذى زاد من اتساع الفجوة بين السلطة والجماهير.
وفى تلك الساعات الحرجة، حدث ما كشف حجم الارتباك داخل الجماعة.
فقد عجز العاملون المحسوبون على الإخوان داخل مؤسسة الرئاسة، من عصام الحداد وأيمن على وخالد القزاز وأحمد عبدالعاطى وغيرهم، عن التواصل مع قيادات مكتب الإرشاد التى اختفت تماماً عن المشهد.
وبينما كانت الدولة تواجه واحدة من أخطر لحظاتها، كان من يُفترض أنهم يقودون الجماعة قد غابوا عن الأنظار، تاركين أتباعهم وأنصارهم فى حالة من الحيرة والارتباك.
لقد كانت المشكلة الحقيقية التى واجهت الإخوان فى أيامهم الأخيرة أنهم لم يخسروا القدرة على الحكم فحسب، بل خسروا قبل ذلك القدرة على قراءة الواقع.
وحين تنفصل القيادة عن نبض الناس، وتستبدل الحقائق بالأوهام، والتقدير الموضوعى بالثقة المطلقة، تصبح الهزيمة نتيجة طبيعية لا مفاجأة.
لقد كانت كل المؤشرات تنذر بالعاصفة، لكن الجماعة آثرت أن تصدق ما تريد سماعه لا ما كان يحدث أمام أعينها.
وهكذا جاءت ثورة الثلاثين من يونيو لتسقط مشروعاً سياسياً فاسداً هزمته أوهامه، وليبقى الدرس الأهم أن الشعوب قد تصبر، لكنها إذا قررت أن تتكلم فلا قوة تستطيع أن تصادر صوتها أو توقف حركتها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك