شهدت مرحلة ما بعد ثورة 30 يونيو 2013 تحولا جذريا في علاقة قطاعات من الشباب مع الإخوان، سواء من داخل التنظيم أو من الدوائر القريبة منه، حيث دفعت التطورات السياسية والأمنية التي أعقبت سقوط حكم الجماعة، وما تلاها من أحداث عنف وصدامات واسعة، العديد من الشباب إلى إعادة النظر في أفكارهم ومواقفهم، وصولا إلى حالات انفصال ومراجعات فكرية فردية وجماعية.
صدمة ما بعد 30 يونيو وبداية المراجعاتبعد عزل محمد مرسي في يوليو 2013، دخلت الإخوان في مواجهة مفتوحة مع الدولة، تخللتها أحداث عنف واتهامات قضائية طالت قيادات بارزة في التنظيم، هذه المرحلة شكلت نقطة فارقة في وعي كثير من الشباب الذين كانوا جزءا من الحراك التنظيمي أو الداعم له، إذ بدأت تظهر داخل بعض الدوائر ما يمكن وصفه بـ" حالة إعادة تقييم شاملة" للأفكار التنظيمية.
في 2017 كشف بعض أعضاء جماعة الإخوان فى السجون، عن انتشار المراجعات داخل قواعد الجماعة وبعض التيارات التكفيرية، المتواجدة فى السجون، فخلال أسبوع واحد خرجت مراجعات هى الأولى لمسجون بسجن الزقازيق ينتمى للسلفية الجهادية، ويفضح تنظيم داعش وقائده ويكشف علاقة التنظيم مع أمريكا، والثانى لمتهم فى قضية كتائب حلوان، يتهم قيادات جماعة الإخوان بما سماه الدخول فى معركة صفرية، بموجبها تم توريط الإخوان منذ 30 يونيو.
هذه المراجعات الجديدة بدأت مع منتصف شهر مارس 2017، تزامنا مع خروج وثيقة من جبهة محمود عزت القائم بأعمال مرشد الإخوان، تهيئ القواعد بضرورة أن تقدم الجماعة تنازلات، وهو الأمر الذى واجهته جبهة محمد كمال.
شهدت تلك الفترة تراجعا تدريجيا في مستوى الالتزام التنظيمي لدى قطاعات شبابية، بالتزامن مع تصاعد الجدل الداخلي حول جدوى العنف والعمل السري مقابل العمل السياسي العلني.
شهادات وتجارب انفصال فرديةبرزت خلال السنوات التالية شهادات لشباب سابقين داخل الجماعة أعلنوا تخليهم عن التنظيم، بعضهم عبر منصات إعلامية، وآخرون من خلال كتب أو تدوينات شخصية، حيث تشير هذه الشهادات إلى أن أحد أبرز أسباب الانفصال كان ما وصفوه بـ" تضارب الخطاب بين الدعوة السياسية والواقع العملي"، إضافة إلى رفض بعضهم لمسار التصعيد والعنف الذي تبنته قيادات في التنظيم خلال تلك المرحلة.
كما أشار بعض هؤلاء الشباب إلى أن التجربة داخل الجماعة اتسمت بدرجة عالية من المركزية التنظيمية، وعدم إتاحة مساحة كافية للنقاش أو الاختلاف الفكري، وهو ما دفعهم لاحقا إلى الانفصال وإعادة بناء رؤيتهم الفكرية بشكل مستقل.
وفي أبريل 2017 أعلنت الإخوان عن الجولة الثانية مما سمته" التقييمات"، فى إشارة إلى استكمال المراجعات التى دشنتها جبهة محمد كمال عضو مكتب الإرشاد، واعترف عباس القبارى، المنسق الإعلامى لملف تقييمات الإخوان، بوجود خلاف داخل الجماعة حول تلك التقييمات، مشيرا إلى أن هذه التقييمات تسعى لجعل مبدأ المحاسبة والتحقيق مع من أخطأ من أجل عدم استفراد القيادات بالتنظيم.
وأضاف المنسق الإعلامى لملف تقييمات الإخوان حينها، أن تلك التقييمات التى وصلوا لها وقفت بشكل صحيح على سلبيات الجماعة إلى حد بعيد، دون أن يحدد ماهية هذه السلبيات، قائلا، إن التقييمات ذات معايير موضوعية، وليست شأنا شخصيا لتقييم مواقف الشخصيات أو القيادات بالجماعة.
بعد 2013، واجهت الجماعة اتهامات رسمية من الدولة المصرية بالتورط في أعمال عنف في عدد من المحافظات، وهو ما أدى إلى فتح ملفات قضائية متعددة، شملت قضايا مرتبطة بأحداث عنف وتخريب واستهداف منشآت عامة، هذا المسار ساهم في تعميق حالة الانقسام الداخلي بين الشباب، حيث اتجه بعضهم إلى رفض العنف بشكل كامل، بينما تمسك آخرون بخطاب التصعيد.
وشهدت السنوات الماضية تصاعدا في الانشقاقات الداخلية داخل التنظيم، خاصة بين الفئات الشبابية التي لم تكن جزءا من القيادة التاريخية للجماعة، بل انخرطت فيها خلال سنوات ما قبل 2013.
تحولات فكرية وإعادة صياغة الهويةفي السنوات الأخيرة، ظهرت نماذج لشباب سابقين في التنظيم أعلنوا ما يمكن وصفه بـ" المراجعات الفكرية"، والتي شملت إعادة النظر في مفاهيم مثل" السمع والطاعة" و" التمكين" و" العمل السري"، وبعض هذه المراجعات انتهى إلى قطيعة كاملة مع التنظيم، بينما اختار آخرون الابتعاد عن العمل السياسي كليا.
هذه التحولات لا ترتبط فقط بالسياق السياسي، بل أيضا بتغيرات اجتماعية أوسع شملت وسائل التواصل الاجتماعي، والانفتاح على مصادر معرفية متعددة، ما ساهم في إعادة تشكيل وعي الشباب، وعلى الجانب الآخر، تبنت الدولة المصرية بعد 30 يونيو سياسات أمنية وتشريعية لمواجهة التنظيمات التي تهدد الأمن القومي، بالتوازي مع برامج توعية تستهدف الشباب، خاصة في الجامعات، بهدف تعزيز الانتماء الوطني ومواجهة الأفكار المتطرفة.
كما ركزت مؤسسات رسمية ودينية على تصحيح المفاهيم الفكرية، وطرح خطاب بديل قائم على المواطنة والانتماء للدولة، في محاولة لتقليل تأثير الخطابات الأيديولوجية المغلقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك