يشعر العديد من المراقبين للحرب بين إيران وأمريكا بالصدمة والإحباط من فشل هذه الحرب في إسقاط النظام الإيراني، الذي طالما أشعل دول المنطقة العربية بالصراعات والمؤامرات.
فإذا كانت الولايات المتحدة تمتلك القدرة العسكرية على إسقاط الحكومات المعادية لها كما تجلى في غزو العراق عام 2003 فإن ترددها الواضح في تبني استراتيجية مماثلة ضد إيران، غالبا ما يُنظر له باستغراب وخيبة أمل.
فأمريكا التي تسمح لنظام عدواني مزعزع للاستقرار، مثل النظام الإيراني بالاستمرار تبدو للكثير من المراقبين متناقضة أو مترددة أو حتى متواطئة.
وقد لا يدرك الكثيرون، أن التردد الذي تبديه الولايات المتحدة تجاه مسألة استبدال النظام الإيراني لا ينبع من عدم اكتراثها بالاعتداءات الإيرانية الإقليمية، وإنما هو تردد شكلته حزمة الدروس الوخيمة والمدمرة لغزو العراق واحتلاله.
كما ساهم في تشكيله صمود هياكل الدولة الإيرانيةو، التكاليف الاقتصادية والعسكرية الكارثية التي يفرضها هذا التغيير.
فرغم نجاح العمليات العسكرية الأمريكية في إحداث خلل بنيوي في الحرس الثوري وإزاحة قيادته العليا، إلا أن إيران لم تنهر، وظل الحرس الثوري ثابتا، دون حصول انشقاقات جماعية.
أما بالنسبة للداخل الإيراني فإن النظام نجح في استخدام القمع الداخلي الوحشي لمنع الانتفاضات الداخلية، فلم تُؤدِّ الضربات الجوية الأمريكية على إيران إلى قيام ثورة شعبية مؤيدة لأمريكا، كما حصل في العراق عام 1991، بل على العكس من ذلك أيقظت هذه الضربات شعورا قويا بالهوية الوطنية الإيرانية.
فالإرث المؤلم لحرب العراق والأحداث التي أعقبت تلك الحرب من فوضى وارتباك وتخبط، مازالت عالقة في ذاكرة أمريكا، ما أثر في قرارات واشنطن عندما أرادت تغيير النظام في إيران بالقوة.
فمعظم الأوساط السياسية في واشنطن تعتبر غزو العراق أحد أكبر الإخفاقات الاستراتيجية في السياسة الأمريكية الحديثة، لأن الغزو رغم أنه حقق هدفه العسكري المباشر، وهو أسقاط حكومة الرئيس صدام حسين، إلا أنه فشل فشلا ذريعا في مرحلة بناء الدولة فيما بعد.
فافتقار واشنطن لخطة واقعية لما بعد الغزو، أدى إلى غرق العراق في الفوضى واشتعال حرب أهلية دامية، ما ألحق ضررا بالغا بمصداقية واشنطن عالميا.
أدت حربا الخليج الأولى والثانية إلى استنزاف قوات العراق العسكرية وتدهور دفاعاته الجوية وسحق اقتصاده.
كما أن العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الأمم المتحدة عليه (13 سنة)، أنهكته وحولته إلى دولة منخورة ومعزولة، ما أدى لأن يتداعى الجيش العراقي سريعا عندما غزا التحالف الدولي الذي تقوده أمريكا العراق، لأن النظام كان قد فقد عمقه في مؤسسات الدولة وفقد الولاء الأيديولوجي الصادق لدى معظم العراقيين.
فنظام حكم صدام حسين كان نظاما استبداديا هشا يتميز بمركزية عالية، ولا يرتكز إلا على أقلية نخبوية وأجهزة أمنية صارمة، ولذلك سرعان ما تهشم هيكل الدولة، عندما أزيلت الطبقة الخارجية للنظام.
أما النظام الحاكم في إيران فيختلف عن نظام البعث الذي حكم العراق، فقد صمم ليقاوم ويبقى على قيد الحياة، ولذلك بني على أساس سلطة مزدوجة للحيلولة دون حدوث أي انقلاب عسكري للإطاحة به بدعم خارجي.
فالدولة الإيرانية لها عدة مرتكزات منها المرشد الأعلى والرئيس الإيراني والجيش الإيراني التقليدي والحرس الثوري الأيديولوجي وقوات الباسيج.
فعندما اغتيل المرشد الإيراني حل الحرس الثوري بشخصياته محله، لأنه مؤسسة مستقلة تمتلك الالتزام الأيديولوجي والموارد الاقتصادية، ما مكنها من الحفاظ على الدولة ووظائفها.
ويبدو أن الولايات المتحدة تعلمت من غزو العراق، الذي اعترفت فيما بعد أنه كان خطا استخباراتيا فادحا، حيث أوهمت الإدارة الامريكية بأن قواتها ستستقبل استقبال المحررين، وظنت أنها ستتمكن من تسليم السلطة بيسر وسهولة إلى السياسيين العراقيين في المنفى، وأنها ستتمكن من الحفاظ على استمرار عمل دوائر الدولة، وتجاهلت الإدارة الدراسات الواسعة التي أُجريت قبيل الحرب، والتي حذرتها من أن الانهيار الكامل للدولة سيؤدي إلى انتشار عمليات السلب والنهب والعبث والشغب على نطاق واسع، وإلى نشوب صراع طائفي حاد وتمرد عنيف وظهور تنظيمات ارهابية متحاربة.
ففشل واشنطن في العراق الذي تكبدت بسببه تريليونات الدولارات وآلاف القتلى والجرحى، هو الذي جعلها تتردد في خوض أي حرب احتلال مفتوحة وطويلة أخرى في إيران، لأنها أدركت أن إسقاط النظام في إيران سيتطلب إنفاقا عسكريا وقوات برية تفوق أضعافا مضاعفة حجم ما تطلبته حرب العراق، ذلك أن إيران مساحتها أربع مرات مساحة العراق، وتتميز بتضاريس جبلية وعرة، تجعل أي احتلال بري كابوسا لوجستيا وعسكريا.
كما أن واشنطن تخشى أن يقود انهيار النظام الإيراني إلى ظهور دولة ممزقة فاشلة، كما حصل في العراق، بدلا من انتقال سلس إلى حكم ديمقراطي علماني، وقد يؤدي الفراغ المفاجئ في السلطة إلى انقسام إيران على أسس عرقية، بسبب وجود بذور لحركات انفصالية آذرية وبلوشية وكردية وعربية.
فالولايات المتحدة تخشى من أن الحكم العلماني والديمقراطي الذي ستفرضه قسرا على الشعب الإيراني لن ينجح أو يستمر، كما حصل في العراق لأنه لا يمتلك شرعية شعبية.
ورغم أن ملايين الشباب الإيرانيين في المدن يرفضون نظام ولاية الفقيه، إلا أن هذا الرفض الشعبي لا يعني أنهم سيدعمون أي حكومة يجري تنصيبها من الخارج.
فلو أن الولايات المتحدة اطاحت بالنظام الحالي بالقوة ونصبت شخصية سياسية إيرانية مثل رضا بهلوي، فإن هذه الشخصية ستواجه على الفور أزمة شرعية، لأن النظام المخلوع سيصوره على أنه مجرد دمية أمريكية وسيستغل النزعة القومية الإيرانية ليحشد بقايا الحرس الثوري والجيش الإيراني ويجند المواطنين الإيرانيين في حرب تحرير شرسة ضد المحتلين، والعراق خير شاهد على ذلك.
فرغم تأكيد بعض الساسة العراقيين في المنفى لواشنطن، أن انتقال السلطة في العراق سيكون سلسا، وأن معظم الشعب العراقي سيرحب بهذا الانتقال، إلا أن الوقائع أثبتت بطلان تلك المزاعم.
فالقوى الشيعية التي تحالفت في البداية مع الولايات المتحدة من أجل إسقاط نظام الرئيس صدام حسين سرعان ما انقلبت على هذا التحالف بضغوط إيرانية، بحجة أن وجود قوات التحالف يعتبر احتلالا أجنبيا ينتهك سيادة العراق، مما أدى الى صعود مجاميع مسلحة تعادي واشنطن عداء شرسا وتضرب مصالحها في العراق والمنطقة.
أدركت الولايات المتحدة أن إزاحة النظام الإيراني بالكامل يتطلب غزوا بريا شاملا وأن هذا الغزو سيكون غزوا دمويا ومدمرا للقطعات العسكرية على الأرض، كما أن إغلاق إيران للمسارات الحيوية لتصدير النفط في مضيق هرمز، أدى إلى تدمير الاقتصاد العالمي، ما جعل أمريكا تعترف بالواقع وتغير استراتيجيتها.
وحتى لا يتكرر سيناريو العراق اختارت واشنطن استراتيجية الاحتواء المكثف والإضعاف الموجه والاستنزاف الداخلي لتحييد قدرات إيران وابقائها تحت سيطرة محكمة، بدلا من تغيير النظام.
وكما حصل مع العراق من قبل ستلجأ واشنطن إلى الجمع بين العقوبات الاقتصادية القاسية، والضربات العسكرية الموجهة نحو البنية التحتية الاستراتيجية، كما ستعمل على عزل إيران دوليا وإلى تكثيف القيود المصرفية ضدها ومنعها من الحصول على العملات الصعبة، لاستنزافها وتحويلها إلى دولة منهكة اقتصاديا وعسكريا، كما حصل مع العراق تماما.
فواشنطن تراهن على أن النظام الإيراني سيضعف تدريجيا وسينهار في نهاية المطاف تحت وطأة إخفاقاته الاقتصادية الداخلية وضغط الرأي العام الإيراني وتحت وطأة التهديد بشن ضربات عسكرية متواصلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك