ترجع ملكية أول مقهى سُجِّل بشكل رسمي على مستوى العالم، إلى تاجرين سوريين هما شمس الدين الحلبي وعلي أفندي.
أسَّسا عام 1554 أول متجر لبيع القهوة في مدينة إسطنبول، عندما كانت عاصمةً للدولة العثمانية، وأطلقا عليه اسم «قهوة الكيف»، وهو عنوان مُلغزٌ بسبب تنافر معنى القهوة التي دلالتها الصحو، مع الكيف الذي هو الابتهاج والسرور والهوى، أو المزاج الحسن والشاعرية وانطلاق الخيال.
لم يدْر هذان التاجران أنهما كانا يرسمان مسار كلّ زاوية في مقهى سوف تُقام على الأرض؛ المقاعد متماثلة، وحال الجالسين، والحوار بينهم متشابه أيضا من ناحية الشكل والمبنى.
النظرات الخرساء والصمت البادي على سموتهم واحد.
جميع المشاعر والأحاسيس تم التوصل إليها، والأفكار استُنْفِدت، الواضحة والغامضة، المدهشة والبالية، حتى الأحلام والرؤى تمّ تأملها، عدا استثناءات قليلة لا تشكّل بمجموعها كتلة تشوّش على الباقين الجوّ الذي هم غارقون فيه.
عام 1928 قام فلاديمير بروب بتفكيك مئة حكاية روسية، ووجدها نسخاً لحكاية واحدة، من حيث المبنى وآلية السرد.
من جهته، لاحظ إيتالو كالفينو الشيء نفسه في الحكايات الشعبية من إيطاليا إلى الصين ومصر وبلاد الرافدين.
العناصر السردية فيها راسخة وموحدة تُحاكي الأعداد في العمليات الحسابية.
ما يختلف هو الأسلوب والزخرفة، أما البنْية فثابتة.
فإذا كان المكان هو الحيّز الذي تجري فيه فصول الحكاية، وحياة كل زبون في المقهى ما هي إلا «حكاية يحكيها …»، حسب التعريف الشكسبيري الشهير، من الطبيعي أن تكون مقاهي الأرض كلها نسخاً من المقهى الإسطنبولي الأول، مثلما تتشابه قوانين الرياضيات في أنحاء المعمورة.
الاستعانة بأبحاث بروب وكالفينو ارتفعت بالمقهى من مجرد «مكان» إلى «قانون كوني» يمتلك صلابة القوانين العلمية، وعلى الأدب أن يؤدي دوره:المقهى الفارغ يضجّ بصمت لا يُطاق، ولكل قطعة أثاث فيه صوتها الخاصّ، ما إن يدخله أول الوافدين حتى يُلغي حالة الفراغ والعزلة في المكان.
تنمو الأصوات مع مرور الوقت، ويكون الازدحام على أشدّه عند العاشرة، ليصير المكان عالما مسحورا ويجلّ عن الوصف.
لا يتبيّنه الجالسون، ولا يريدون أن يتبيّنوه، لأن في ذلك زوال سحره.
يعلو الضجيج ويكون مرادفا للصمت العميق الأصمّ، بهذا تتلاقى الأضداد، وهذا سرّ من أسرار المقاهي.
اللمّة والاحتشاد يؤديان إلى الشعور بالوحدة الراضية عن النفس، والضجّة تعني الهدوء والسكينة.
لدينا حديث زبائن المقهى، وهم من مستويات في التعليم متفاوتة، لكن ما يوحّد الجميع هو غُلبة البساطة والعفويّة والابتذال على أفعالهم وأقوالهم، وهذا شرط أساسيّ في المقاهي التي يرتادها (الشعبُ) كثيرا.
لدينا أيضا الصخب الخالص لأقداح الشاي والماء والصحون، وحوار الملاعق معها.
السقف أيضا له نبرته في الحديث الحنون، يتشارك به مع الحيطان والشبابيك والأبواب.
غالبا ما نفكر في الشيء نفسه، إذا ما لامست أجساد بعضنا بعضاً، أو وقعت الأنظار على الأنظار لزمن غير قصير، أو تنفّسنا الهواء ذاته.
نوع من الشراكة الوجدانية يصبح جليس المقهى عن طريقها ممثلا لجميع الزبائن ولا أحد، فهو دون انتماء حقيقي ومُقتَلَع الجذور، وبإمكانه عدم الإصغاء إلى صوته الداخلي، وهو المقصد والغاية الأهمّ في ارتيادنا المقهى، لأنه انجرف مع أصوات الآخرين في مهبّ ريح اللمة التي تجمعهم.
لا يكون هذا مجرد كسل، وإنما تنشيط للشّطط والشّطح في الخيال الذي يناقض الغريزة، فهو صفة خاصة ببني البشر، يقاوم بها ثقل وبلادة وتحجّر الواقع من حوله، وتميّزه عن بقية الكائنات.
تعريف جديد للإنسان هيّأته لنا هذه السطور: «حيوان يجلس في المقهى».
بالنسبة إليّ، أحتاج المقهى في أول النهار، مثلما في ساعة الزحمة واشتداد اللغط والثرثرة من حولي، كي أقرأ المواضيع الفكرية والفلسفية المعقدة.
محادثة لطيفة ومطوّلة تجري بيني وبين الصمت أو الصخب في المقهى؛ في غمار العادي والنشاز من الأصوات، أصغي إليها جيدا فتتفتح تلافيف العقل وتنشط، ويقوم عندها بفعل آنيّ قوامه التحدي والدفاع عن النفس، مثلما كان يحدث للأسلاف في الغابة حينما يجابهون قطيعا ضاجّا من الوحوش، يستعيدون عندها طبيعتهم البهيمية كي يتمكنوا من المطاولة في الصراع.
في مثل هذه الظروف، يحتاج الإنسان، وأيّ كائن آخر، إلى كلّ لحظة من التفكير من أجل الوصول إلى حلّ يؤدي إلى النجاة.
أكثر ما يُعين النفس القلقة والمثقلة بالأفكار والهموم، هو أن تضيع وسط الضجّة والصّخب لتهدأ وتستقرّ، وبالتالي تنشرح.
أحفظ هذه العبارة عن ظهر قلب ولا أتذكّر اسم قائلها: «هلمّوا إلى الشوارع والحانات وملتقى الباعة والشراة»، لكنه شكسبير على الأغلب.
أحتاج المقهى في النهار كي أكتب قليلا وأقرأ كثيرا، وفي المساء تؤدي الحانة هذا الدور، عندما أكون خارج البلد.
تقول الأمريكية آني ديلارد: «أفكر في الكتابة بينما أقطع الخشب.
أدركتُ أثناء عملي في الَمنْجَرَة أن العملَ في بيئةٍ خطرةٍ تتكررُ فيها الحركات برتابة على وقع الضوضاء، يمنحني الانفصال الذهني المطلوب للتفكير الذي يتطلّبه الإبداع في عالم الأدب».
كان همنغواي مهووسا بما يدعوه فلوبير «الشغف بالجملة الصحيحة»، أتخيّله جالسا في المقهى وسط الصخب، يوزن رنين الجملة في ذهنه وقلبه، مفتشا عن إيقاعها الخفيّ.
كان «يحررها بصيغ عديدة حتى يجد ضالته في صيغة تبدو أفضلها جميعا»، كما يقول ابنه كريكوري في مذكراته.
أعذبُ وأجمل وأقوى ما في فنون المعيشة، أن يقترب الناس من بعضهم بعضا، والفعل الأهمّ في هذه الحياة المتقلّبة، الماضية نحو الموت الأكيد، هو الاحتكاك بالآخرين مباشرة إن أمكن، أو بصورة غير مباشرة بواسطة الرمز؛ الحرف أو النغم أو الرسم؛ ثلاثة تجليّات للعِشرة الوديعة بيننا، من أجل التغلّب على المعاناة الحقّة، في الشعور بالوحدة والعزلة.
إنها أفضل طريقة للبحث عن الذات؛ عندما نكون ضمن الآخرين، يصبح الجميع واحدا ويحدث تغيير في كيمياء الإدراك، تعيش نفوسنا بواسطته أكثر لأن ينابيع العيش اتسعت وتعددت تبعا لذلك، وكلما ازداد العدد زادت الحياة.
لهذا السبب نطلب المقهى المزدحم والحانة والشارع المكتظ بالسائرين.
ينطبق هذا الشعور على زبائن المطعم أيضا، يشعرون بنهم غامض في العينين وفي الأنف والفم واليد.
جوع في الحواس البدائية كلها، كأن غيمة روائح أطعمة شهية تتدلى من سقف المطعم، ويسمعون لأول مرة الإيقاعات المتواترة تصدر عن الملاعق.
على هذا الأساس يمكن تفسير الطاقة الإضافية التي يكتسبها المسافرون عندما ينزلون في الفنادق، والشعور بالتجدّد عند تجربة السفر.
ليست الأجساد وحدها تتناجى حين تتدافع وسط الزحام في المكان العام، أرواحنا هي الأخرى تتواصل.
إذا أردتَ أن تعيش حياتك مرّتين وأكثر فما عليك غير أن تسير في الشوارع المزدحمة، تندفع قلوب المارّة صوب قلبك، يعينونه وينقلون عدوى سعادتهم وهنائهم إليك.
في أوقات وظروف معينة، يمكن لمقدار ولو ضئيل من هذه الطاقة الإضافية، إنقاذنا من ارتكاب حماقات بحقّ النفس أو الغير.
تقوم فكرة السجن والعقاب على نزع هذه الطاقة منا، وتجريدنا من السحر الذي يحرّك قوى الحياة فينا، جزاءً للذنب الذي اقترفناه، وكان أهل البلاغة والأدب السابقون يصفون هذه الحال بالموت البطيء للنفس، ومعها البدن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك