خلف الابتسامات العريضة، المصطنعة غالباً، والمصافحات الروتينية أمام العدسات، يخفي قادة مجموعة السبع هواجس كثيرة مبعثها أجندات عديدة متقاطعة، ليس بين الدول الصناعية السبع الكبرى في مواجهة أكثر من 180 دولة عضو في الأمم المتحدة فقط، بل بين هؤلاء المجتمعين في قمة إيفيان الفرنسية أنفسهم من جهة أولى، وبين ستّ دول في صفوفهم حيال الولايات المتحدة الدولة السابعة من جهة ثانية.
فلم يعد سراً أن التوترات بين أمريكا كما يترأسها اليوم دونالد ترامب باتت تتجاوز الخلافات الجانبية حول تمويل الحلف الأطلسي ورفع الميزانيات الدفاعية للدول الأعضاء ممن ينضوون أيضاً في مجموعة السبع، وتحولت إلى منازعات جدية بعيدة المدى وعميقة الأثر.
وإذا كانت هذه تبدأ من الزيادات في الرسوم الجمركية التي يفرضها ترامب على سائر «الشركاء» في المجموعة، فإنها لا تنتهي عند خيارات شبه مضادة لمقاربة مجموعة السبع للملف الأوكراني، أو سحب قوات أمريكية متمركزة في أوروبا منذ عقود، أو التلويح ببسط السيطرة الأمريكية على جزيرة غرينلاند، عدا عن الانفراد في الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية ضد إيران وفي الآن ذاته مطالبة أوروبا بسداد أقساط من أكلافها الباهظة.
كذلك لم يكن مستغرباً أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، نيابة عن فرنسا البلد المنظم للقمة، تحاشى أن يتضمن جدول أعمال القمة أياً من البنود التي تصب الزيت على نار الخلافات الأوروبية ـ الأمريكية، وتُغضب ترامب الذي قد لا يكفّ عن إطلاق تصريحات عدائية أو ساخرة أو حتى مقذعة بحق قادة المجموعة والقمة ذاتها.
وهكذا تُركت الملفات الحساسة للقاءات الجانبية بعيداً عن الرأي العام، سواء في مجتمعات الدول السبع ذاتها أو على نطاق العالم بأسره، خاصة وأن بنود المذكرة الأمريكية ـ الإيرانية ما تزال رهينة الترجيح، وربما متغيرات ربع الساعة الأخيرة.
في المقابل، لم يتردد ماكرون في تنظيم عشاء خاص حافل في قصر فرساي الأشهر، ظاهره الاحتفاء بالذكرى الـ250 لاستقلال أمريكا حيث شهد المكان توقيع معاهدة «سلام باريس» سنة 1783 التي أنشأت الولايات المتحدة، وأما باطنه فهو السعي إلى ترطيب الأجواء مع سيد البيت الأبيض الذي لم يتردد في انتقاد فرنسا ورئيسها علانية، مراراً وتكراراً.
وفي مناسبة القمة، أصدرت منظمة أوكسفام الإغاثية الدولية تقريراً حفل بالأمثلة على الفوارق الشاسعة بين الدول السبع والعالم قاطبة، كما في تخفيض ميزانيات المساعدات التنموية بمقدار 48 مليار دولار بين عامي 2024 و2025، والامتناع عن تعليق جدي لمدفوعات الديون الثنائية على الدول منخفضة أو متوسطة الدخل، أو إلغاء ديون غير مستدامة تجبر الحكومات على إجراء تخفيضات مدمرة تمسّ خدمات عامة أساسية.
وفي المقابل، يكشف التقرير أن 41 من عمالقة النفط في قلب دول المجموعة، واظبوا على جني أرباح بقيمة 400 مليون دولار يومياً، خلال فترة الحرب على إيران.
بذلك فإن الابتسامات المصطنعة في قمة إيفيان تخفي أيضاً جرائم نكراء بحق الإنسانية وبؤساء الأرض، والجديد فيها هو مقادير الاستشراس والجشع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك