القدس العربي - مهمة “كوماندوز” جديدة لرونار مع تونس التلفزيون العربي - مزاعم بتجاوزات وممارسات غير لائقة داخل مستشفى الشاطبي بمصر روسيا اليوم - المستشار الألماني يؤكد استعداد برلين للمشاركة في تأمين مضيق هرمز فرانس 24 - مونديال 2026: فرنسا ومبابي يوجهان إنذارا مبكرا بفوز صريح على السنغال روسيا اليوم - البرلمان الأذربيجاني يتهم فرنسا بشن هجمات هجينة فرانس 24 - مباشر-كأس العالم 2026: العراق يتحدى النرويج في مهمة عنوانها الفوز - فرانس 24 روسيا اليوم - الموعد والقنوات الناقلة لمباراة الأردن والنمسا في كأس العالم 2026 فرانس 24 - مونديال 2026: مبابي يسجل هدفه الدولي الـ58 ويحطم رقم جيرو روسيا اليوم - الجزائر.. اكتشاف "ناب فيل" يعود للعصر الحجري القديم بموقع رجل تيغنيف غرب البلاد (صور) العربية نت - هيلاري كلينتون: بايدن ارتكب خطأ فادحاً بترشحه لولاية ثانية
عامة

«جزائر كامو» المرفوضة: حين اختار أمه قبل العدالة

القدس العربي
القدس العربي منذ 1 ساعة

تستقر بعض الموضوعات في الذاكرة، حتى إذا صادفنا الكتاب الذي يعالجها انثال من الذاكرة ما يوافق ذلك أو يعارضه، هذا ما حدث لي مع كتاب «جزائر كامو» للكاتب الجزائري سنيني علي، الذي عالج سؤالا ألح عليه طويلا...

تستقر بعض الموضوعات في الذاكرة، حتى إذا صادفنا الكتاب الذي يعالجها انثال من الذاكرة ما يوافق ذلك أو يعارضه، هذا ما حدث لي مع كتاب «جزائر كامو» للكاتب الجزائري سنيني علي، الذي عالج سؤالا ألح عليه طويلا باعتباره لم يصدق أن كامو كان معارضا لاستقلال الجزائر، لماذا؟يقول الكاتب: من متابعة النقاشات حول رواية كمال داود «ميرسو، تحقيق مضاد»، حدث التحول، انكشف لي فجأة وجها غير معروف لكامو: «معارضته لاستقلال الجزائر»، وحاول الكاتب عبر سردية موضوعية أن يجد مبررا لذلك الرفض، لكن أمله كان يصطدم بسلوكات فكرية كاموية تؤكد إخلاصه للمنظومة الاستعمارية (الأم).

حاول عبر هذه الـ«لماذا» تفكيك فكر ألبير كامو باعتباره من الأقدام السوداء، فرنسي /جزائري من عائلة فرنسية فقيرة، لكنه غير محسوب من الأهالي، ومن هنا بدأت الرحلة التحليلية للكاتب، محاولا العثور على إجابة مقنعة لرفضه استقلال الجزائر، فالعنوان «جزائر كامو»، يتشظى المعنى فيه إلى: هل هي الجزائر المستعمرة، أم الجزائر الساكنة أدب كامو، أم الجزائر الفرنسية؟ ولكن الأهم أن مقولة لكامو، تتكرر في الكتاب، نطق بها في سويسرا عام 1957 أثناء وجوده هناك لاستلام جائزة نوبل: «أؤمن بالعدالة ولكنني سأدافع عن أمي قبل العدالة»، هذه الجملة جعلتني أستعيد المناضل الجزائري سليمان عميرات حين قال: «إذا خُيرت بين الجزائر والديمقراطية سأختار الجزائر»، وليس خافيا ما يحدث اليوم على الساحة الدولية من ظلم وإبادة وجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب في غزة وبيروت والعدوان الأخير على طهران، إنها الديمقراطية التي لفظت أنفاسها الأخيرة على وقع الادعاء بحضارة «حرية، مساواة، إخاء».

رفض كامو لاستقلال الجزائر كما يقول المؤلف «ليس سياسيا فقط، إنه بشكل بارز فلسفي»، وهو ما يجعل كامو في علاقة ملتبسة مع فكره ذاته، فالفلسفة هي مناط التفكير الباحث عن الحقيقة، والحقيقة لا يمكن أن تعارك واقعا لتجعله ملتبسا في مرآة العالم والذات، وكامو سيعترف أنه: «سيدافع عن أمه قبل العدالة»، هذا الغموض في الموقف يعتبر للإنساني الذي يأبى الظلم والتحيز على حساب المبدأ.

يرى المؤلف أن «التحليل يبين أن كامو يتناول القضية الاستعمارية بداية من منظور أخلاقي ـ أخلاق «الاعتدال» ـ التي تناهض عنف الحركة التحررية»، من هذا المنظور فهو يساوي بين المستعمِر والمستعمَر، ولهذا لم نجد لديه «أي ذكر للاستعمار في وحشيته ولا أشكال المقاومة التي أفرزها لدى الجزائريين».

جزائر الميلاد والانتماء الملتبسولد ألبير كامو في 7 نوفمبر/تشرين الثاني بالذرعان شرق الجزائر، وقد تميزت طفولته بعنصرين، طالما استدعاهما في سِيَرِه الذاتية، خصوصا «الإنسان الأول»: «الفقر المادي الشديد والانتماء إلى أقلية استعمارية تمتعت بكل الحقوق السياسية والاجتماعية الممنوعة عن الجزائريين»، كامو الذي ولد في الجزائر كان فرنسيا، شعر بالانتماء إلى فرنسا لأنه ولد بين هذه الأقلية، التي صادرت أملاك الجزائريين وحقهم في العيش أحرارا على أرضهم، لم يكن منهم، كان منفصلا ومدركا أنه ولد في الجزائر، لكنه ليس منتميا لأهاليها إلا بما يشعره من تشارك تلك الجزائر المنقوشة على جدران الخيال الخلاق للأديب، ولهذا رغم الفقر إلا أنه «حصل على التعليم المجاني والجنسية الفرنسية وحق المواطنة».

في سيرته الذاتية يروي أن والده توفي أثناء الحرب في معركة «لامارن» عام 1914، ولما يبلغ ابنه عاما واحدا.

نشأ كامو في بيت تديره النساء في غياب شخصية أبوية، الأم كاثرين كامو، أمية، تعبر بالإشارات وبالصمت؛ تمثل بالنسبة للكاتب كرامة المتواضعين، أولئك الذين، رغم الفقر، إلا أنهم يحافظون على شكل من الكرامة».

ينبثق الشكل الرمزي للأم ليتلبس فرنسا الاستعمارية التي أتاحت للطفل كامو الدراسة والحصول على نوبل للسلام من دون أن يدين نظام التدمير والاضطهاد الاستعماري، فأمية الأم جعلت منه لصيقا بها ليعبر بلسانها، مخافة أن يخون العلاقة الوجدانية بها، وبالتالي، التغاضي عن كل سلوك واقعي والتعلق فقط بالإشارة، لأنه «لا ينسب لساكت قول» حسب تعبير الفقهاء.

العنف الاستعماري وعدالة كاموكان على الكاتب أن يؤسس لرؤية حول إشكالية الرفض للاستقلال الوطني عند كامو، فنبش تاريخ الاستعمار ليعود إلى ما قبل ميلاد كامو، إلى القرن التاسع عشر وما شهده من إبادة للأهالي وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، لا أقلها جرائم الحرق في الجبال، وخنق الأهالي بسد مداخل الكهوف بعد محاصرتهم داخلها، وقد أورد شهادة للجنرال بيجو، الذي أصدر أمرا لجنوده: «إذا انزوى الأوغاد إلى كهوفهم، أحرقوهم عن بكرة أبيهم كالثعالب»، وأيضا شهادة العقيد سانت أرنو: «لقد سَدَدْتُ بإحكام كل المنافذ، وشكلت مقبرة واسعة.

التراب يخفي إلى الأبد جثث أولئك المتعصبين، هنا في الأسفل يوجد خمسمئة قاطع طريق، لن يذبحوا الفرنسيين بعد الآن»، كما أن فيكتور هوغو يورد في «أشياء رُؤِيت»: «أثناء الغارات أو الغزوات، لم يكن نادرا رؤية الجنود يقذفون من النوافذ أطفالا وآخرين، في الأسفل، يستقبلونهم على أسنة حرابهم.

»، يرى الكاتب أن «مجموع هذه الشهادات تثبت أن العنف الاستعماري لم يكن لا حادثا ولا هامشيا؛ لم يكن فقط عسكريا: إنه يخضع لنظام، وهذا النظام يتضمن فكرة إلغاء الشعب الجزائري بالحرب، المجاعة، المرض، البؤس والخنق الاقتصادي».

في مقابل هذا العنف المنظم، كان الشعب الجزائري منتفضا ضد هذا العبث الاستعماري، لم يقف مكتوف الأيدي، بل كان يواجه ذلك بالمقاومة تلو المقاومة منذ الأمير عبد القادر وإلى الشيخ بوعمامة مرورا بأحمد باي وفاطمة نسومر، بوبغلة، الطوارق، الأغواط… «إلا أن كامو تغافل عن هذه الذاكرة البطولية.

في سردياته، الجزائر دوما أسيرة ديكور طبيعي خلاب، لكنه من غير تاريخ جماعي للمقاومة».

إن كامو لم يكن ينظر إلى الجزائر إلا من خلال الجغرافيا التي تفي بغرض مخياله، في مكان يراه متوافقا مع أحلامه ككاتب يبحث عن أم تتراوح بين الرمز في الصمت، والواقع في الهيمنة التي تحقق له الاستمرار في جزائر منفصلة عن تاريخ وجودها ومدمجة في تاريخ السيطرة الاستعمارية، لم يكن يرى فرنسا مستعمِرة، لأنه لو رآها كذلك لأدان وحشيتها وهمجيتها وانتصر للعدالة التي يدعي محبتها.

«عدالة» كامو والظهور المتصاعد للحركة الوطنيةكامو الذي أدان في مقالاته الصحافية اللاعدالة والبؤس، خصوصا في تحقيقاته حول منطقة القبائل، لم يهاجم مباشرةۛ «قانون الأهالي» 1881، الذي يعتبر نظام تمييز عنصري بامتياز، «هذا الصمت يوضح حدود نزعة إنسانية تقف عند أبواب السياسي».

اشتغل كامو بالصحافة ما بين 1938 و1940، وكان خلالها مدافعا عن العدالة الاجتماعية، كان صحافيا ملتزما، كتب عدة مقالات عن الوضع المأساوي في منطقة القبائل، وفضيحة «مأساة القبائل» «ليست حادثا، بل عرضا لقسوة النظام الاستعماري».

سريعا تعرضت جريدة «الجزائر الجمهورية» اليسارية التي كان يعمل فيها إلى التوقيف، نظرا لمواقفها المنتقدة للنظام الاستعماري، «كامو محروم من منبره، حاول مع باسكال بيا إطلاق «المساء الجمهورية»، التي منعت سريعا هي أيضا».

هذا التهميش قاده إلى المغادرة إلى فرنسا.

في الوقت الذي كان فيه كامو يندد بالبؤس الاجتماعي في الجزائر «مؤكدا ضرورة الارتباط بفرنسا، كانت الحركة الوطنية قد ظهرت كقوة سياسية نافذة».

في كتابه «الإنسان المتمرد» 1951، ينتقد الأيديولوجيا الثورية التي تضحي بالحياة الحاضرة من أجل أوتوبيا مستقبلية، «بالنسبة لكامو، حزب الشعب وحركة انتصار الحريات الديمقراطية يمثلان شكلا من أشكال التعصب السياسي الذي يرفضه، تماما كما يرفض الشيوعية أو الفاشية».

يتعرض الكتاب في الفصل الثامن المعنون «الاعتدال والتطرف» لفلسفة كامو القائمة على العبث والتمرد والاعتدال، وقد قام الكاتب بتحليل العلاقة بين هذه المبادئ وموقف كامو الرافض لاستقلال الجزائر، والمتغافل عن أن الشعب الجزائري منذ أن وطئت أقدام فرنسا أرضه، كان رافضا لهذا الوجود الهمجي والظالم، ولم يتوقف لحظة عن المقاومة من أجل الاستقلال.

فـ«العبث» الكاموي ناتج عن الرغبة الإنسانية في إيجاد معنى للحياة، وصمت العالم الذي لا يقدم أي إجابة.

للرد على العبث يقترح كامو «التمرد»، لكن بالنسبة له لا يعني انتفاضة عنيفة، هو قبل كل شيء موقف وجودي، ثم «الاعتدال»، «وهو المفهوم الذي يمنح التماسك لرفض كامو لاستقلال الجزائر»، الاعتدال هو ضرورة عدم التضحية بالإنسان باسم فكرة مجردة، مهما كانت عادلة»، القتال من أجل العدالة، بالنسبة إليه هو خيانة للعدالة.

إن هذه الرؤية تجعل كامو خارج مجال التاريخ، بعيدا عن أي محاولة لتحقيق العدالة، التي ما فتئ يطالب بها، لكن، كيف تتم وضعنة العدالة وترسيمها ضمن حدود الإنسان إذا فقدها غصبا وبالقوة الغاشمة؟ إن أبسط إدراك لمفهوم العدالة في طريق تحقيقها هو حضور مفهوم الحرية، التي تستلزم بالضروة التحرر، والتحرر فعل نضالي مقاوماتي يستوجب بالضرورة القتال كما فعلت «الأم» فرنسا حين احتلتها النازية، وهذا ما واجهه به سارتر الذي يؤمن بأنه «في عالم غير عادل جوهريا، يصبح العنف الثوري ضروريا، بل شرعيا».

عود على بدء، يشير الكاتب إلى أنه بعد رحيل كامو واستقلال الجزائر، قامت محاولات لاستعادته: «جزء من الخطاب الفرنسي نسج شكلا انتقائيا لكامو: كرؤيوي مزعوم، متنبئ بالخراب الجزائري وشاهد على فشل الاستقلال».

«هذا الـ»كامو» غير موجود.

هو اختراع مأخوذ بالماضي، يهدف إلى محو العنف الاستعماري».

يرى الكاتب في النهاية أن ألبير كامو «يظل حقل توترات بالنسبة للذاكرة؛ في مجال الدراسات المابعد كولونيالية، يُقرأ كمفكر عالمي، لكنه محدد بعدم قدرته على التفكير في تصفية الاستعمار خارج الإطار الأوروبي.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك