إذا كان فتح مضيق هرمز للملاحة الدولية وإعلان إيران أنها لن تسعى لامتلاك السلاح النووي هما الشرطان الأساسيان لإيقاف الحرب اليوم التي كبَّدت جميع الأطراف والعالم خسائر جسيمة، فلماذا شُنّت بالأساس باعتبار أن مضيق هرمز كان مفتوحا منذ آلاف السنين للملاحة البحرية وإيران أَفتت مراجعها في أعلى مستوى بتحريم امتلاك السلاح النووي منذ عقود من الزمن؟ألا يكشف هذا عن الطبيعة الحقيقة لهذه الحرب؟ ألا يُبيِّن أن اغتيال المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية ونخبة من قياداتها السياسية والعسكرية وتدمير جزء كبير من بينتها التحتية ناهيك عن منشآتها النووية لم يكن أبدا بهدف تعزيز الأمن في المنطقة واستباق التوترات المتوقعة بها، إنما كان بهدف تغيير نظام دولة ذات سيادة بالقوة والتحكم التام في الشرق الأوسط وفشل ذلك فشلا ذريعا؟ألا يعد استئناف التفاوض مع ذات النظام السياسي الذي استهدفته الحرب بالتغيير دليلا قاطعا على فشل المهمة ومهما كانت نتيجة المفاوضات؟ وأن المنطقة على أبواب تعزيز استقلاليتها عن القوى الدولية؟يبدو بالفعل أن هذه الحرب بالشكل الذي تمت به، وبالشكل الذي ستنتهي به ستكون آخر محاولة للكيان الصهيوني للزّعم بأنه سيُصبح سيّد المنطقة والآمر الناهي بها مادام مدعوما بأكبر قوة عسكرية في العالم.
ألم يتسبب هذا الكيان في تحقيق الفشل لذاته، ثم لِحليفه الأول؟ بل ألم يُفشِلا بعضهما البعض في آخر المطاف؟ الولايات المتحدة أفشلت حليفها الإسرائيلي بقبول التفاوض مع إيران، والكيان الإسرائيلي أفشل الولايات المتحدة بعدم قدرته على تحقيق ما زَعَم أنه سيكون نصرا حاسما بذات الطريقة التي فشل فيها في غزة وفي لبنان واليمن مازال سيفشل في أي منطقة يحاول إخضاعها لِمنطقه مُدّعيا التفوق العسكري المطلق والقدرة اللامتناهية للانتصار على كافة الجبهات…والمحصلة في آخر المطاف ستكون تفكك النظام داخل الكيان الصهيوني ذاته بدل تغيير النظام في إيران.
وهو ما بدا يتجلى بوضوح بعد أن وصلت الحرب إلى هذه المرحلة: بعد هذه الحرب لن تخشى دول المنطقة التهديد بزعزعتها من الداخل إذا لم توافق على الشروط الإسرائيلية مادامت إيران قد صمدت رغم استخدام كافة الوسائل لهزيمتها، بل وأعادت خصمها إلى طاولة المفاوضات إذا كان يرغب في أية تسوية.
من الآن فصاعدا لا يوجد ما يمنع دول المنطقة في المستقبل من انتهاج هذا النهج من دون أي اكتراث بالتهديد الإسرائيلي أو حتى الأمريكي، بل لعل هذا هو الذي سيحدث.
مستقبلا لن تُقبَل الشروط الإسرائيلية ولا الأمريكية على أساس أنها أمر واقع، ولن تُنفَّذ المشاريع المشتركة على أساس أنه لا بديل عنها؟ وستوضع ما سُمِّيت بالاتفاقيات الإبراهيمية ضمن أرشيف وزارات الخارجية التي صادقت عليها لتحل محلها علاقات أخرى تضع الوزن الإسرائيلي والأمريكي ضمن حجمهما الطبيعي مقارنة بالقوى الدولية الأخرى كالصين وروسيا والهند وتركيا ودول الاتحاد الأوروبي، أي أن هذه الحرب ستحرر الشرق الأوسط وتعزز استقلالية قراره، بعد أن كان الهدف منها تكبيله تماما والسيطرة عليه بقيود إسرائيلية لا ترحم.
انتهى مشروع الخط البري الرابط بين الهند وحيفا الذي زعمت الدعاية الإسرائيلية أنه سينقذ أوروبا والغرب، وها هي بوادر خط استراتيجي بين المملكة العربية السعودية وتركيا مرورا بسوريا تلوح في الأفق عازلة حيفا مادامت محتلة خارج الإطار الحضاري الذي تنتمي إليه دول المنطقة، وها هي العلاقات الباكستانية الإيرانية تتعزز، ومن خلالها ستتعزز علاقات البلدين مع كافة دول الجوار ومع الصين وروسيا مما سيعيد رسم خريطة المنطقة لعقود قادمة…ألا يدل هذا أن الشرق الأوسط قد دخل بداية التحرر من الهيمنة الأمريكية، ولم يعد يخشى التهديدات الصهيونية، وسيُعزِّز استقلالية قراره أكثر؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك