في ربيع عام 2016 جمع غاليري المرخية، في مقره بمركز كتارا للفنون في الدوحة، ثلاثة فنانين في معرض واحد: لولو م.
ومبارك المالك من قطر، ومسعود البلوشي من عُمان.
بدا ذلك المعرض، في حينه، أقرب إلى مجاورة بين عوالم متباعدة منه إلى مشروع بصري واحد.
بيد أن العودة إلى التجارب الثلاث بعد عشر سنوات، في المعرض الحالي" بين الأمس واليوم"، الذي افتتح في التاسع من الشهر الجاري ويستمر حتى 18 يوليو/ تموز المقبل، تمنح تلك المجاورة معنى آخر، وتحوّلها إلى فرصة لقراءة الزمن داخل العمل الفني.
ليست المسألة هنا استعادة لقاء قديم بدافع الحنين.
الأهم أن المعرض الحالي يسمح بالمقارنة بين لحظتين، واحدة كانت فيها المادة نفسها تقود الصورة، وأخرى لاحقة صار فيها الشكل أكثر قدرة على تنظيم المادة داخل رؤية متماسكة، بأثر من تراكم الخبرة في اليدين وذهاب روح كل فنان في دروب قديمة أو جديدة.
في معرض 2016، كانت لولو م.
تقدم عالماً قائماً على الريزن المصبوب، حيث تتشكل اللوحة كما لو أنها نتيجة تفاعل داخلي بين اللون والسطح.
كتل مضيئة ومعتمة في آن، تذكّر بالأحجار الكريمة غير المشغولة أو المقاطع الجيولوجية أو الكائنات البحرية المجهولة.
كانت الصورة عندها أقرب إلى أثر طبيعي أو كيميائي، تترك فيه المادة للوحة حقها في أن تتكون، لا أن تُرسم فقط.
ولذلك تكتسب ملاحظة مدير المعرض أنس قطيط لـ" العربي الجديد" عن انتقال لولو م.
" من الريزن إلى الجيومتريك" دلالة تتجاوز الجانب التقني قائلا" التحول لا يتعلق بالخامة وحدها، بل بطريقة التفكير في العمل الفني، من شكل يولد من تفاعل المادة إلى شكل يضبطها ويقودها" على حد تعبيره.
أقرب إلى مجاورة بين عوالم متباعدة منه إلى مشروعٍ بصري واحدأما مبارك المالك، فكان في 2016 أكثر الفنانين التصاقاً بالرمز.
في سلسلة" البطولة" (قناع الوجه التقليدي للمرأة القطرية) حضرت البطولة، أيقونة مفردة داخل فضاء لوني صريح.
كانت قابلة للتعرف إليها حتى وهي تخضع للاختزال والتجريد.
لم يكن الرمز يتلاشى في اللون، بل كان اللون يمنحه طاقة جديدة، ويخرجه من وظيفته التراثية إلى فضاء تشكيلي.
في المعرض الحالي، لا تغيب البطولة، لكنها تخرج من عزلتها.
لم تعد قناعاً منفرداً فحسب داخل اللوحة، بل صارت جزءاً من حكاية أوسع: نساء متجاورات، وجوه ضاحكة أو مغمضة، إطارات مزخرفة، ألواح تزلج، ورود وقلوب وتكرارات شعبية مرحة.
ينتقل المالك إذن من العلامة تراثية إلى البطًولة الكائن الاجتماعي داخل مشهد، فيه ذاكرة وميل واضح إلى السرد.
هذا التحول مهم لأنه يحرر تجربته من القراءة الفولكلورية المباشرة، ولا يعود السؤال: ماذا تمثّل البطولة؟ بل كيف تتحول إلى لغة بصرية قادرة على الانتقال من القناع إلى الحكاية.
عند مسعود البلوشي تبدو المقارنة أكثر تعقيداً.
في معرض 2016 حضرت أعماله ضمن سلاسل مثل" تشظيات" وكانت قائمة على المحو والخدش واللطخة، وعلى أثر حركة جسدية مباشرة.
الصورة تتكون ثم تتراجع، كما لو أن اللوحة لا تريد أن تمنح المشاهد موضوعاً كاملاً، بل أثره.
في الأعمال الحالية، يتقدم البلوشي باتجاه التشخيص من غير أن يتخلى تماماً عن حساسيته السابقة.
الوجوه النسائية المقنّعة أكثر حضوراً، والأجساد أكثر تحديداً، واللون بات جزءاً من بناء الشخصية.
ثمة وجه يطل، وظهر يدير نفسه، وامرأة تمسك وردة، كأن البلوشي الذي كان في 2016 يترك الصورة معلقة بين التجريد والتشكل، صار اليوم يسمح لها بأن تقترب من الهيئة دون أن يسلمها للوضوح.
واللافت في تجربته الحالية أيضاً حضور الطبيعة.
في إحدى اللوحات يظهر مشهد أفقي هادئ من عشب، وماء، وشجرة بعيدة، وأفق منخفض.
لا تعود اللوحة مساحة خدش ومحو فقط، بل فضاء تنفس وذاكرة أرض.
غير أن هذا الانتقال لا يبدو انفصالاً عن تجربته السابقة، بل توسيعاً لها، لكأنها مقام موسيقي جديد في ذات الأغنية.
ما تكشفه المقارنة بين المعرضين ليس تطور التقنية أو تغيرات في الأساليب، بل قصة انتقال من حساسية بصرية إلى أخرى.
من هنا تأتي أهمية" بين الأمس واليوم"، إذ لا يكتفي بتقديم أعمال جديدة، بل يتيح رؤية الصورة وهي تخطو في مسارها من أثر أول إلى نظام رؤية، لا الأمس ذهب ولم يعد، ولا اليوم أقفل آخر صفحة في الكتاب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك