تونس -“القدس العربي”: دعا سياسيون تونسيون إلى التوقف عن تسييس كرة القدم وتوظيفها لتلميع صورة الأنظمة المستبدة، كما طالبوا الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) بالتوقف عن ممارسة “ازدواجية المعايير” تجاه المنتخبات المشاركة في المونديال.
وقال النائب السابق مجدي الكرباعي: “من يعتقد أن الرياضة منفصلة تمامًا عن السياسة يتجاهل جزءًا مهمًا من التاريخ.
فكُرَة القدم كانت دائمًا مرآة للتوازنات السياسية والاقتصادية العالمية”.
وأوضح لـ”القدس العربي” بالقول: “رأينا كيف استُبعدت روسيا من المنافسات الدولية بعد الحرب في أوكرانيا، بينما تُثار في المقابل تساؤلات كثيرة حول معايير التعامل مع نزاعات وأزمات أخرى في العالم.
كما أن القيود التي طالت بعض اللاعبين أو المسؤولين الرياضيين بسبب جنسياتهم أو جنسيات بلدانهم تطرح أسئلة جدية حول مبدأ المساواة الذي يُفترض أن تدافع عنه المؤسسات الرياضية الدولية”.
واستعرض عددا من الأمثلة التي أثارت جدلًا واسعًا خلال مونديال 2026، على غرار “ما حدث مع الحكم الدولي الصومالي عمر عبد القادر أرتان، الذي مُنع من دخول الولايات المتحدة لدى وصوله إلى ميامي رغم حمله تأشيرة دبلوماسية سارية وكافة الوثائق المطلوبة، وأُعيد على متن طائرة إلى إسطنبول دون توضيح رسمي كافٍ، ليُستبعد بذلك من قائمة حكام البطولة.
إضافة إلى ذلك، أعلن جبريل الرجوب، رئيس الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، عدم حصوله على تأشيرتي دخول إلى الولايات المتحدة وكندا للمشاركة في فعاليات مرتبطة بكأس العالم”.
وأضاف الكرباعي: “هاتان الحالتان، بغض النظر عن المبررات الرسمية المقدَّمة بشأنهما، أعادتا إلى الواجهة النقاش حول مدى حياد المؤسسات الرياضية الدولية وقدرتها على ضمان المساواة بين جميع المشاركين دون تمييز”.
الكرباعي: رئيس “الفيفا” تذكّر الصحافي الفرنسي في السجون الجزائرية وتناسى نظيره في السجون التونسيةوتابع: “ما يزيد من حدة هذا التناقض ما قام به جياني إنفانتينو (رئيس الفيفا) عشية انطلاق المونديال، حين خصّ الصحافي الفرنسي كريستوف غليز، المسجون في الجزائر منذ ما يقارب عامًا بتهمة “الإشادة بالإرهاب”، بكلمة في مؤتمر صحفي بمكسيكو سيتي، معلنًا أن “هناك كرسي فارغ” يخصه في البطولة، وداعيًا الرئيس الجزائري إلى عفو رئاسي يسمح له بالالتحاق بزملائه.
وهي خطوة إنسانية تُحسب له، ومنحه (غليز) الفيفا اعتمادًا صحفيًا رسميًا لتغطية المونديال خطوة رمزية لافتة”.
واستدرك بالقول: “لكن المفارقة أن الصحافي الرياضي التونسي مراد الزغيدي، الذي يقبع اليوم في سجن المرناقية (قرب العاصمة التونسية) ويخوض إضرابًا عن الطعام منذ 4 جوان/ حزيران 2026 احتجاجًا على ما تصفه نقابة الصحافيين التونسيين ولجان مساندته بـ”الظلم والتنكيل القضائي”، لم يحظ بأي كلمة من إنفانتينو أو من المؤسسات الرياضية الدولية، رغم أنه صحفي رياضي بامتياز ومُعتقل أيضًا”وتساءل الكرباعي: “فهل وصف “الصحفي الرياضي الوحيد المسجون في العالم” ينطبق على الجزائر فقط، ولا ينطبق على تونس؟ هذا السؤال وحده يلخّص أزمة المعايير التي يتحدث عنها هذا المقال”.
تلميع الانظمة الديكتاتوريةومن جهة أخرى، أشار الكرباعي إلى أن التاريخ “مليء بأمثلة استُخدمت فيها كرة القدم لأغراض سياسية؛ من استغلال الأنظمة الديكتاتورية للبطولات الرياضية لتحسين صورتها أمام الرأي العام العالمي، إلى توظيف الانتصارات الرياضية لتعزيز الشرعية الداخلية.
وما حدث في كأس العالم 1978 بالأرجنتين في ظل الحكم العسكري، وما شهدته دول أخرى عبر العقود، يبين أن الرياضة لم تكن يومًا بمنأى عن الحسابات السياسية”.
لكنه اعتبر، في المقابل، أن الرياضة “يمكن أن تكون أيضًا فضاءً للمقاومة والتعبير عن القيم الإنسانية.
فقد رأينا لاعبين وجماهير يستخدمون الملاعب للتعبير عن التضامن مع قضايا العدالة والحرية وحقوق الإنسان، في مواجهة محاولات توظيف الرياضة لخدمة أجندات سياسية ضيقة”.
وأضاف: “المشكلة ليست في وجود علاقة بين الرياضة والسياسة، فهذه العلاقة قائمة تاريخيًا، وإنما في ازدواجية المعايير.
فعندما تُفرض العقوبات على بعض الدول ويُغضّ الطرف عن دول أخرى، أو عندما يُحرم بعض المسؤولين والرياضيين من المشاركة لأسباب مرتبطة بجنسياتهم أو انتماءاتهم السياسية، بينما يُسمح لغيرهم بذلك في ظروف مشابهة، فإن ذلك يُضعف مصداقية المؤسسات الرياضية الدولية ويحوّل الرياضة من مساحة للتقارب بين الشعوب إلى ساحة جديدة للصراعات الجيوسياسية”.
وختم بقوله: “في النهاية، يجب أن تبقى كرة القدم وسيلة لتقريب الشعوب لا لتكريس الانقسامات بينها.
وإذا كانت المؤسسات الرياضية الدولية ترفع شعارات العدالة وحقوق الإنسان وعدم التمييز، فإن مصداقية هذه المبادئ تقتضي تطبيقها على الجميع دون استثناء أو انتقائية، لأن قيمة الرياضة الحقيقية تكمن في قدرتها على جمع الناس حول قواعد واحدة، لا في تكريس موازين القوى السائدة في السياسة الدولية”.
بدوره قال هشام العجبوني الأمين العام لحزب التيار الديموقراطي لـ”القدس العربي”: “ما نشهده اليوم – من استثناء روسيا من المشاركات الدولية، إلى القيود والإهانات التي تعرض لها حكام ولاعبون من دول مثل الصومال والسينغال والعراق وإيران في دخول الولايات المتحدة المستضيفة لهذا المونديال – يكشف أن الادعاء بـ”حياد” الرياضة عن السياسة كان دائماً ادعاءً نظرياً أكثر منه واقعاً”.
وأوضح: “التاريخ يقدّم لنا العديد من الأمثلة: إيطاليا الفاشية في 1934 والأرجنتين العسكرية في 1978 استخدمتا استضافة المونديال لتلميع صورتيهما الدولية وتصدير سردية “القوة والانتظام” في وقت كانت فيه الانتهاكات الداخلية على أشدها”.
وتابع العجبوني: “اليوم، المعادلة معكوسة جزئياً: لسنا أمام دولة ديكتاتورية تستضيف كأس العالم لتلميع صورتها، بل أمام دولة تدّعي أنّها ديمقراطية (الولايات المتحدة) تستضيف بطولة عالمية بينما تمارس – عبر قرارات إدارية – انتقائية سياسية في من يُسمح له بالعبور والمشاركة.
وهذا يفتح سؤالاً أعمق: هل يمكن لمؤسسة دولية كالفيفا، التي تتغنى بشعارات “كرة القدم توحّد العالم”، أن تستضيف بطولاتها في دول تمارس هذا النوع من التمييز دون أن تخسر مصداقيتها؟ ”.
العجبوني: الفيفا عاقب روسيا بسبب حرب أوكرانيا وكافأ إسرائيل رغم جرائمها في فلسطين ولبنانواعتبر أن موقف الفيفا من مثل هذه الانتهاكات “كان ضعيفا ومخزيا، خاصة في حادثة طرد الحكم الصومالي وعدم السماح له بالدخول إلى الأراضي الأمريكية رغم اختياره من قبل الفيفا لإدارة مباريات كأس العالم”.
وأشار إلى “مسألة أخرى تتعلّق بالتعامل بمكيالين (من قبل الفيفا)، ففي الوقت الذي يتم فيه منع روسيا من المشاركة في عديد الفعاليات الرياضية الدولية، بسبب الحرب مع أوكرانيا، يتم السماح لمنتخب الكيان الصهيوني الغاصب والمرتكب لأبشع جرائم الإبادة الجماعية في فلسطين ولبنان، بالمشاركة، وكان قاب قوسين أو أدنى من الترشح لكأس العالم”.
واعتبر العجبوني أن الرياضة “يجب أن تبقى فضاءً مفتوحاً للجميع بعيدا عن التجاذبات.
وأي استغلال سياسي لها – من أي طرف كان، ديكتاتورياً أو ديمقراطياً – يستحق النقد.
لا يمكن انتقاد توظيف الأنظمة الشمولية للكرة والرياضة بصفة عامة، والصمت عن توظيف مماثل من قوى أخرى بحجة أنّها (دول ديمقراطية)”.
ودعا إلى “إقصاء الدول التي تحتلّ دول أخرى وتقوم بجرائم إبادة جماعية تجاه سكانها، وهذا ما ينطبق حاليا على الكيان الصهيوني”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك