في ختام ملف «صيف بلا فواجع: ما وراء حوادث الغرق في المسابح والشواطئ»، تتجه الأسئلة إلى زاوية أكثر حساسية وتعقيداً: من يتحمل المسؤولية عندما تتحول لحظات الترفيه إلى مأساة؟ وهل تكفي التحذيرات والتوعية وحدها لمنع تكرار الحوادث، أم أن حماية الأرواح تحتاج إلى منظومة أكثر صرامة تجمع بين القانون والتقنية والرقابة المجتمعية؟ومع تزايد الحوادث المرتبطة بغرق الأطفال داخل المسابح والشاليهات والاستراحات، لم يعد الحديث مقتصراً على الوعي الأسري أو أخطاء الاستخدام فقط، بل امتد إلى مساءلات قانونية حول مسؤولية ملاك المنشآت، ومدى الالتزام باشتراطات السلامة، وغياب الحلول الوقائية الذكية القادرة على التدخل قبل وقوع الكارثة.
وفي الحلقة السادسة والأخيرة من الملف الشهري، تستعرض «اليوم» رؤية قانونيين ومتخصصين ومخترعين حول أبعاد المسؤولية المدنية والجنائية في حوادث الغرق، وحدود التزام الأسرة والمنشآت الترفيهية، إلى جانب طرح حلول تقنية حديثة تعتمد على الذكاء الاصطناعي وأنظمة الإنذار الذكية وأجهزة الاستشعار، في محاولة للانتقال من مرحلة التعامل مع المأساة بعد وقوعها إلى ثقافة «الوقاية الاستباقية» التي قد تنقذ الأرواح قبل فوات الأوان.
وأكد المحامي والمستشار القانوني بندر محمد حسين العمودي، أن معالجة حوادث غرق الأطفال داخل الشاليهات والاستراحات تتطلب فهماً دقيقاً لطبيعة العلاقة التعاقدية والالتزامات النظامية، موضحاً أن المسؤولية المدنية في النظام السعودي تقوم على أركان الخطأ والضرر وعلاقة السببية، وفق ما ينظمه وزارة الشؤون البلدية والقروية والإسكان والدفاع المدني السعودي والأنظمة ذات العلاقة.
وأوضح العمودي أن مالك الشاليه أو المنشأة يتحمل مسؤولية قانونية مباشرة إذا ثبت افتقار المسبح لوسائل السلامة الإلزامية، مثل الأسوار الواقية أو أدوات الإنقاذ أو أنظمة الحماية، مشيراً إلى أن غياب هذه الاشتراطات يعد خطأً نظامياً قد يترتب عليه التعويض المالي أو الدية، إضافة إلى احتمالية توجيه تهمة القتل الخطأ إذا ثبت الإهمال وعدم الاحتياط.
وفي المقابل، شدد على أن الأسرة تتحمل جانباً مهماً من المسؤولية متى ثبت وجود إهمال رقابي جسيم، مبيناً أن الأنظمة السعودية، ومن بينها نظام حماية الطفل، تعتبر ترك الطفل دون رقابة أو عدم توفير بيئة آمنة صورة من صور الإهمال التي تستوجب المساءلة.
ودعا العمودي إلى الانتقال من مرحلة “رد الفعل” بعد وقوع الحوادث إلى “الاستباق الوقائي”، عبر فرض حلول تقنية وتشريعية أكثر صرامة، من بينها إلزام الشاليهات بتركيب كاميرات ذكية وأنظمة إنذار مائي وأساور إلكترونية للأطفال، إلى جانب ربط تجديد تراخيص المنشآت السياحية بشهادات سلامة معتمدة وتأمين إلزامي ضد الغير.
ومن جهته، أوضح المستشار القانوني عبدالله المدني أن حماية الأرواح داخل المرافق الترفيهية لا تُعد مجرد التزام أخلاقي، بل واجب قانوني أصيل يفرض على المنشآت توفير بيئة آمنة خالية من المخاطر المتوقعة، خاصة في المواقع التي تستقبل العائلات والأطفال.
وأشار إلى أن المسؤولية القانونية في حوادث الغرق لا تُحدد بصورة تلقائية، بل تُبنى على معيار «التقصير» ومدى إمكانية تفادي الحادث لو تم اتخاذ احتياطات معقولة، لافتاً إلى أن القضاء ينظر في عدة عناصر، من بينها جاهزية الموقع، وتوفر وسائل الإنقاذ والتحذير، وطبيعة تصميم المسبح، ومستوى الإشراف والرقابة داخل المنشأة.
وأكد المدني أن الأسرة تظل خط الدفاع الأول في حماية الأطفال، إلا أن وجود رقابة أسرية لا يعفي المنشأة من مسؤوليتها إذا ثبت وجود قصور في معايير السلامة، مشدداً على أهمية تبني الحلول الذكية الحديثة، مثل كاميرات المراقبة القادرة على رصد حالات الغرق وإرسال تنبيهات فورية، وأساور التتبع الذكية للأطفال، وأنظمة الاستشعار المحيطية المرتبطة بغرف مراقبة مركزية.
كما طرح فكرة التأمين الإلزامي على المسابح والمنشآت الترفيهية، موضحاً أن شركات التأمين تفرض عادة معايير سلامة مرتفعة قبل منح التغطية، ما يسهم في رفع مستوى الامتثال الوقائي وحماية مرتادي هذه المواقع.
وتابع المدني أن ذلك يتفق مع نظام المعاملات المدنية الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/191) وتاريخ 29/11/1444هـ؛ إذ تقرر المادة (120) أن كل خطأ سبب ضررًا للغير يلزم مرتكبه بالتعويض، بينما تراعي المادة (128) أثر خطأ المتضرر إذا ساهم في وقوع الضرر أو زاد منه، مبيناً ان الصورة تختلف إذا كان الغريق طفلًا؛ إذ يتسع نطاق البحث عن المسؤولية: هل قصّرت الأسرة في الرقابة؟ وهل وفر المالك وسائل السلامة؟ وهنا تبرز المادة (129) المتعلقة بمسؤولية متولي الرقابة، والمادة (132) الخاصة بالأشياء التي تتطلب عناية خاصة للوقاية من ضررها، وهو ما ينطبق على المسابح وما يشابهها من مرافق خطرة.
وشدد المدني على ان دور المحامي لا يقتصر على الترافع بعد وقوع الحادث، بل يبدأ قبل ذلك بصياغة عقود تأجير واضحة تُلزم المالك بوسائل السلامة، وتحمّل المستأجر واجب مراقبة الأطفال ومعاينة المكان.
وبعد الحادث، يتولى المحامي تحليل تقارير الشرطة والدفاع المدني لتحديد الخطأ وعلاقة السببية بدقة، ولتعزيز السلامة، يمكن دعم الاستراحات بكاميرات ذكية للمسابح، وأساور إنذار للأطفال، مع التوجه إلى التأمين الإلزامي على المسابح التجارية لضمان التزام الملاك بمعايير السلامة.
ضرورة الرقابة المستمرة على الأطفالبدوره، أكد المحامي مطلق التميمي أن المسؤولية الأولى في حماية الأطفال تقع على الأسرة، عبر الرقابة المستمرة والتأكد من سلامة المكان وخلوه من مصادر الخطر، سواء داخل المسابح أو في المرافق المحيطة بها، مشيراً إلى أن نظام حماية الطفل شدد على ضرورة توفير بيئة آمنة للأطفال وعدم تعريضهم لمواطن الخطر.
وأوضح التميمي أن مسؤولية مالك الشاليه ترتبط بمدى التزامه باشتراطات الأمن والسلامة، لافتاً إلى أن السوابق القضائية في المملكة تفرق بين حوادث البالغين وحوادث الأطفال، إذ يتحمل البالغ مسؤولية دخوله إلى موقع الخطر بإرادته، بينما تختلف المعايير تماماً في حالات الأطفال لانتفاء الإدراك الكامل لديهم.
وأضاف أن غياب وسائل السلامة الأساسية، مثل الحواجز الواقية واللوحات التحذيرية وأدوات النجاة، يجعل المالك شريكاً في المسؤولية المدنية والجنائية، وفق ما ينظمه نظام المعاملات المدنية في باب «الفعل الضار».
وأشار التميمي إلى أن دور المحامي لا يقتصر على الترافع بعد وقوع الحوادث، بل يمتد إلى الجانب الوقائي، من خلال صياغة عقود تأجير واضحة تلزم المؤجر بتوفير وسائل السلامة، وتحدد مسؤوليات المستأجر في الرقابة والمتابعة.
ومن زاوية تقنية، أكد المهندس والمخترع أحمد عمر كردي أن الاعتماد على الرقابة البشرية وحدها لم يعد كافياً لحماية الأطفال والمتنزهين داخل المسابح والشاليهات، في ظل تكرار الحوادث خلال المواسم الصيفية، ما يجعل الحاجة ملحة لتبني مفهوم «الوقاية الذكية».
وأوضح كردي أن أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة باتت قادرة على رصد أنماط الغرق والتعامل معها بشكل فوري، مشيراً إلى أن بعض المجتمعات الخليجية قد تتحفظ على استخدام الكاميرات لأسباب تتعلق بالخصوصية، ما يجعل أجهزة السونار والاستشعار المائي بديلاً مناسباً يوفر الحماية دون الحاجة إلى التوثيق البصري.
وكشف عن تطوير مشروع وطني يعتمد على دمج عدة مستشعرات ذكية تجمع بين الاستشعار الحراري والحركي والمائي، مدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، بهدف إصدار تنبيهات فورية للعائلات والجهات المعنية عند رصد أي خطر داخل المياه.
وأضاف أن أساور التتبع الذكية للأطفال تمثل إحدى الحلول الفردية الفعالة، إذ تطلق إنذاراً فور ملامسة الطفل للماء، متوقعاً أن تتجه المنازل الذكية مستقبلاً إلى دمج المسابح ضمن منظومة أمنية متكاملة ترصد الأخطار وتتفاعل معها تلقائياً.
وشدد كردي على أهمية فرض تشريعات تُلزم المسابح التجارية والاستراحات بتطبيق التقنيات الحديثة للسلامة، مؤكداً أن التكامل بين الأنظمة القانونية والابتكار التقني يمثل الطريق الأكثر فاعلية لضمان صيف أكثر أماناً وخالياً من الفواجع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك