مثل، اليوم الأربعاء، 13 ناشطاً من حراك" ستوب بوليوشن" (أوقفوا التلوث) بقابس التونسية، أمام القضاء، إثر دعوى رفعها المجمع الكيميائي بالمدينة يتهمهم فيها بـ" تعطيل حرية العمل"، وذلك على خلفية تحركات احتجاجية تطالب بوقف التلوث الصناعي الذي تعانيه الجهة منذ عقود، وما يخلّفه من تداعيات بيئية وصحية على السكان.
وتحوّلت الجلسة القضائية، التي تقرر تأجيلها إلى 23 سبتمبر/أيلول المقبل بناءً على طلب هيئة الدفاع، إلى محطة للتعبير عن التضامن مع النشطاء، بمشاركة عدد من مكونات المجتمع المدني والجمعيات البيئية والحقوقية.
واعتبرت هذه الأطراف أن ملاحقة المدافعين عن البيئة تمثل مؤشراً مقلقاً على تصاعد الضغوط المسلطة على الحركات الاجتماعية، في وقت لا تزال فيه مطالب سكان المنطقة المتعلقة بالحق في بيئة سليمة تواجه تعثراً مستمراً.
وتعود أطوار القضية المرفوعة ضد نشطاء الحراك البيئي في قابس إلى عام 2020، غير أنها ظلت تراوح مكانها أمام القضاء لسنوات، قبل أن تشهد تطورات جديدة هذا العام مع صدور أحكام غيابية بالسجن لمدة عام واحد في حق عدد من النشطاء.
وقال عضو الحراك إسلام الزرلي إن النشطاء مثلوا اليوم أمام الدائرة القضائية للاعتراض على أحكام سجنية غيابية صدرت في حقهم من دون أن تكون لديهم أي معرفة مسبقة بأطوار المحاكمة أو القضية التي رفعها ضدهم المجمع الكيميائي التونسي قبل نحو سنوات.
وأكد الزرلي، في تصريح لـ" العربي الجديد"، أن إعادة النظر في ملف القضية بعد ست سنوات من رفع الدعوى تزامنت مع ذروة الحراك البيئي المطالب بتعليق أنشطة المجمع الكيميائي، معتبراً أن الهدف من هذه المتابعة هو تجريم التحركات البيئية وإسكات صوتها الذي بات، وفق تقديره، محرجاً للسلطات.
وتابع: " في الوقت الذي كان فيه أهالي قابس ينتظرون صدور حكم يُنصف الجهة ويضع حداً لمعاناتهم مع التلوث، جاء الحكم ليكرّس تجريم الحراك البيئي، بدل الاستجابة لمطالب السكان".
وتعود جذور الأزمة البيئية في قابس إلى سبعينيات القرن الماضي، مع تركيز الصناعات الكيميائية المرتبطة بتحويل الفوسفات.
ومنذ ذلك الحين، أصبحت الجهة إحدى أبرز بؤر الجدل البيئي في تونس، بسبب الانبعاثات الغازية والنفايات الصناعية ومخلفات الفوسفوجيبس التي تُلقى في البحر.
وتؤكد دراسات وتقارير أعدتها منظمات وطنية ودولية أن النشاط الصناعي المكثف أدى إلى تدهور المنظومة البيئية للمنطقة، التي كانت تضم الواحة البحرية الوحيدة في حوض البحر الأبيض المتوسط.
كما يشكو سكان الجهة منذ سنوات من انتشار الأمراض التنفسية والحساسية وبعض الأمراض السرطانية، رغم استمرار الجدل القانوني والعلمي حول إثبات العلاقة المباشرة بين هذه الأمراض ومصادر التلوث.
وعلى امتداد أكثر من عقد، تصدّر حراك" ستوب بوليوشن" المشهد الاحتجاجي في قابس من خلال تنظيم اعتصامات وتحركات ميدانية، للمطالبة بنقل الوحدات الصناعية الملوِّثة، واحترام المعايير البيئية، وتنفيذ الوعود الحكومية المتعلقة بإصلاح الوضع البيئي في المنطقة.
وتأتي محاكمة النشطاء بعد رفض المحكمة لدعوى قضائية رفعها مواطنون وجمعيات ضد المجمع الكيميائي، للمطالبة بتعليق أنشطته.
واعتبرت المحكمة أن العلاقة السببية بين الضرر المدعى به والنشاط الصناعي للمجمع لم تُثبت بصورة قانونية كافية، وهو قرار أثار انتقادات واسعة من قبل خبراء البيئة والحقوقيين، الذين يرون أن الجرائم البيئية تختلف عن القضايا التقليدية، نظراً إلى صعوبة إثبات آثارها الممتدة عبر الزمن.
ولا تُعدّ قضية نشطاء" ستوب بوليوشن" الأولى من نوعها، إذ شهدت تونس خلال السنوات الأخيرة متابعات قضائية طاولت عدداً من النشطاء الاجتماعيين والمدافعين عن البيئة في سياقات مختلفة، سواء في المناطق المنجمية أو خلال الاحتجاجات المرتبطة بالموارد الطبيعية والمشاريع الصناعية.
وكانت منظمات حقوقية، من بينها الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، قد نبهت في مناسبات عديدة إلى ما وصفته بتزايد استخدام المتابعات العدلية ضد المحتجين والنشطاء، معتبرة أن ذلك يهدد حرية التعبير والحق في التنظيم والاحتجاج السلمي المكفولين بالدستور والمواثيق الدولية.
في المقابل، ترى المؤسسات العمومية وعدد من الفاعلين الاقتصاديين أن حماية النشاط الإنتاجي ومواطن الشغل تقتضي التصدي لكل أشكال تعطيل العمل، ما يجعل القضاء ساحة للفصل بين حق الاحتجاج وحرية النشاط الاقتصادي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك