ارتبطت الممارسة العقلية في أفهامنا، بتحصيل القدرة على التَّفكير المنطقي والعلمي وأحياناً التَّفكير غير المُعتاد.
فأن تُطبِّقَ معايير العقل، معناه أن تمتلك لغة رمزية واصطلاحات مُعَقَّدة ونصوصاً تحتاج إلى ارتياض ومِران كبيرين للفهم، خاصَّة إذا كانت الدَّائرة هنا، هي الفلسفة وعلوم الاجتماع الإنساني.
لكنْ رغم رسوخ هذه المعاني للتعقُّل وتَلازُمها في الحضور مع التَّفكير العلمي، تبقى غير حقيقة بديهية في الفكر، بل هي مفاهيم تشكَّلت في سياق تأثير المدلول الدِّيكارتي للعقل، ذلك الذي يرى أنّ النَّشاط العقلاني النّموذجي، إنّما هو ذلك الذي يتماثل مع مبادئ الرياضيات من حيث الصِّدق واللغة واليقين، إلى أن صار هذا المعنى الديكارتي للعقل حقيقة ثابتة وراسخة في الممارسة الفكرية والعلمية.
لكن، مع تطوّر المعرفة وظهور اتجاهات فلسفية، تُهاجم الاختزال الرياضي للعقل، وتُكيل له التهم والمسؤولية عن استرقاق التقنية للإنسان بسبب الثقة المُطلقة في الرياضيات، وكذا حدود التَّفكير العلمي الرياضي في فهم الإنسان والاستماع إلى أمراضه النَّفسية والحضارية؛ كلّ هذا، يدفع بنا إلى إعادة رسم معنى آخر للممارسة العقلية، خارج نسق الممارسة العلمية التقنية المادية، وهذا الرسم والبحث عن معان أخرى للعقل نلاحظ أنّها منسية في دوائر المعرفة اليوم، ويبدو أنّ نقطة الانطلاق من أجل إعادة إحياء التَّعقل المنسي، هو التَّواصل مع الممارسة التراثية الفلسفية، التي فهمت التَّعقل فهمًا مختلفًا، بأن ربطته أكثر بدائرة الفعل أو العمل الأخلاقي الارتقائي، فأنْ تكون عقلانيًّا، ليس معناه أن تجتهد لأن تمتلك تفكيرًا خارقًا غير معهود، ولا أن تكون عباراتك مُستغلقة على الأفهام أو قلقة؛ إنّما التَّعقّل يجري مجرى الممارسة اليومية في أفكارنا وأفعالنا، بأن يُزوّد تفكيرنا باليقظة وفعلنا بالفَضيلة.
وإلى هذا المعنى أشار أبو نصر الفارابي في كتابه" فصول منتزعة" قائلا: " التَّعقُّل هو القدرة على جودة الروية واستنباط الأشياء التي هي أجود وأصلح، فيما يُعمل ليحصل بها للإنسان خير عظيم في الحقيقة، وغاية شريفة فاضلة، كانت تلك هي السعادة أو شيء مما له غناء عظيم في أن ينال به السَّعادة" (فصول منتزعة، ص 129).
أُفْرِغَ العقل من الأفكار بسبب الملهيات التِّقنية، وأزيلت الفضائل من الأفعال بسبب تحكم الدَّوافع الحيوية في الحياةوجلي في هذا المفهوم، أنّ التعقّل ليس مجاله دائرة العلم، لأنّ العلم موضوعه عالم الضَّروريات أو القوانين العلمية، بينما التعقّل مجاله هو عالم الحياة والحرية وانفتاح الذَّات على الشَّأن اليومي؛ بأن تُحسّن هذه الذّات رؤيتها إلى الأشياء من حولها، وتعرف مراتب الأفعال الشَّريفة، والوسائل المعينة على الوصول إليها، حتى تصير أفاعِيلها أجود وأصْلح، وفي حركة دائمة، من حضيض الغريزة والفوضى إلى علياء الفضيلة والانتظام.
وهذه المعاني كلّها للتعقّل، إنّما تصبّ في غاية كلية هي: نيل السَّعادة ونبذ الشَّقاء.
إنَّ هذا المعنى للتعقُّل كما رسمته مقالة الفارابي، هو أكثر قيمة بالنِّسبة إلينا نحن اليوم في ظلّ ما يظهر أمامنا من أزمات في الفكر وفي السُّلوك، حيث أُفْرِغَ العقل من الأفكار بسبب المُلهيات التِّقنية، وأزيلت الفضائل من الأفعال بسبب تحكّم الدَّوافع الحيوية في الحياة، فصارت بين أعيننا كائنات لم تُحصِّل من الإنسانية إلاَّ الرَّسم (الشكل) والصُّورة.
لأجل هذا، فنحن في مسيس الحاجة إلى تعقُّل موصول بالحياة والشَّأن اليومي، وليس تفكيرًا مُتعاليًا منفصلًا عن المجرى اليومي والإنجاز البسيط: فالجبال الشَّاهقة والأشجار الباسقة في أصلهما حجارة وبذور صغيرة، والفيضانات الكاسحة ترجع إلى قطرات أولى من الماء، وهكذا سيرورة الحياة في عالم الإنسان، هي أيضًا تنمو وتتجدَّد وتنجز عندما تَشْرع في العمل وفقًا لمطالب التَّفكير المنهجية الأولى في أبسط معانيها، ومبادئ الالتزام الأساسية، وأيُّ رغبة في بناء العقلانية والتعقُّل خارج مدار اليومي والحياتي هو فكر مجرّد، قد تجمّد في مفاهيمه المثالية وأنساقه المنفصلة عن الحياة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك