تحت شعار ملاحقة حركة الشباب وتنظيم الدولة في الصومال، كثفت الولايات المتحدة الأمريكية حملتها الجوية إلى مستويات غير مسبوقة منذ سنوات.
ولكن بينما تتسارع وتيرة القصف، تتزايد أيضا الأسئلة حول من يُقتل فعلا تحت هذه الصواريخ، بعدما بات المدنيون، وبينهم الأطفال، ضمن ضحايا الحرب الخفية التي تخوضها واشنطن في القرن الأفريقي.
list 1 of 214 مليون نازح وبلد مدمر.
هل بإمكان السودانيين العودة إلى منازلهم؟list 2 of 2السلام فجّر أخطر خلاف بينهما.
هل أصبح نتنياهو عبئا على ترمب؟ووفق صحيفة غارديان البريطانية، نفذت الولايات المتحدة 64 غارة خلال العام الجاري وحده، بمعدل غارة كل يومين أو 3 أيام، متجاوزة بذلك إجمالي الضربات التي نُفذت طوال عهد الرئيس السابق جو بايدن، والتي وصلت إلى 51 غارة.
وقد بلغ عدد الضربات الأمريكية منذ عودة الرئيس دونالد ترمب إلى البيت الأبيض 190 غارة، مقارنة بـ219 غارة خلال ولايته الأولى بأكملها، طبقا للصحيفة.
ورغم هذا التصعيد، لا تزال حركة الشباب تسيطر على مساحات واسعة من البلاد، ووصل مقاتلوها العام الماضي إلى مسافة 40 كيلومترا فقط من العاصمة مقديشو، مما دفع بعض المحللين إلى وصف الوضع بأنه" جمود إستراتيجي" لم تنجح الضربات الجوية في كسره.
وفيما تؤكد القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم ) مقتل 6 مدنيين صوماليين فقط خلال سنوات العمليات، تشير تقديرات منظمة" إير وورز" إلى وقوع 103 حوادث يُشتبه في أنها أسفرت عن مقتل ما يصل إلى 170 مدنيا، بحسب غارديان.
وفي تحقيق منفصل، تكشف غارديان عن مقتل 12 مدنيا، بينهم 8 أطفال، في غارة استهدفت بلدة جمامي جنوب الصومال أواخر عام 2025.
واستخدمت الصحيفة للكشف عن" المذبحة" -وفق وصفها- الصور والمقاطع المسجلة والأشعة السينية لإصابات الأطفال بالشظايا، إلى جانب أقوال الشهود.
وبحسب التقرير، لم يكن صباح 15 نوفمبر/تشرين الثاني في تلك السنة مختلفا عن غيره، حيث استيقظ الأطفال على أصوات الحياة اليومية المعتادة، وجلست العائلات لتناول وجبة الإفطار، بينما توجه المزارعون إلى حقولهم.
ولكن خلال ساعات قليلة تحولت البلدة الهادئة إلى ساحة دمار، عندما أمطرت عليها المسيرات الأمريكية الصواريخ، مخلفة وراءها عشرات الضحايا، بينهم أطفال لم يتجاوز بعضهم الـ4 من العمر.
ويروي محمد، وهو جد لـ4 أطفال قتلوا في القصف، لصحيفة غارديان اللحظات الأولى بعد الانفجارات، ويقول إنه اندفع نحو منزل ابنه عبد الله محمد أبو الشيخ علي، الذي كان يعمل في الحقل حينها، بعدما سمع دوي الصواريخ.
ووجد الجد آثار الدمار و" الملابس والكتب مبعثرة على الأرض"، غير أنه لم يستطع التركيز على أي شيء، وفق تعبيره، فقد كان يقف أمام جثث أحفاده" الممزقة".
وكان المنزل المستهدف يضم زوجة ابنه صفية حسن أبو بكر، التي كانت حاملا، وأطفالها الـ4، وعثر محمد على جثتها بين الركام، ثم بدأ البحث عن أحفاده.
ووجد محمد أولا عبد الفتاح، البالغ من العمر 10 سنوات، قريبا من والدته.
ويقول الجد إن الطفل لم يكن يفارقها أبدا، وكان يساعدها في الأعمال المنزلية حتى أصبحت تعتمد عليه بشكل كامل.
" كان يطلب مني دائما أن أدعو له حتى يحفظ القرآن، وكنت أناديه أحيانا بطالب الدعاء فيبتسم"وبالقرب منه وجد جثة شقيقه عبد الناصر، ذي الـ7 أعوام، الذي كان يحلم بحفظ القرآن الكريم.
ويتذكر جده كلماته الأخيرة قائلا: " كان يطلب مني دائما أن أدعو له حتى يحفظ القرآن، وكنت أناديه أحيانا بطالب الدعاء فيبتسم".
أما الشقيقان حسين، البالغ 6 سنوات، وعبد الرحمن، البالغ 4 سنوات، فقد انتُشلت أشلاؤهم من بين الأنقاض.
ويقول محمد إن عبد الله لم يستوعب ما حدث حتى الآن لعائلته، و" منذ ذلك اليوم لم يعد الشخص نفسه أبدا".
ولم يكن هؤلاء الأطفال الضحايا الوحيدين، فقد أكد شهود عيان لغارديان حدوث 15 انفجارا في جمامي، أسفرت عن تدمير العديد من المنازل والمدرسة.
وسلطت الصحيفة الضوء على قصة ماريان حاجي عبدي غوليد، التي كانت قد استقبلت أبناءها الـ3 العائدين من مدرسة القرآن قبل دقائق فقط من بدء الهجوم.
وتقول لغارديان إن صوت الطائرات المسيّرة كان مرتفعا ومخيفا على غير العادة، ثم بدأت الأرض تهتز تحت أقدامهم.
وتروي ما حدث بعد ذلك قائلة: " خرج أطفالي إلى الخارج لمعرفة ما يجري، وفجأة سقط صاروخ آخر، وعندما ركضت إليهم وجدتهم جميعا ملقين على الأرض ومضرجين بالدماء".
وتضيف أن القصف استمر حتى أثناء محاولتها إنقاذهم، وتقول: " كلما حاولت الوصول إليهم كانت الصواريخ تتساقط في كل اتجاه".
وبحسب الصحيفة، نجا أطفالها من الموت، ولكنهم أصيبوا بشظايا خطيرة، وقد يفقد أحد أولادها قدرته على المشي ما لم تستخرج الشظية من جسده.
وتشدد غوليد للصحيفة على أن البلدة لم تكن تضم مقاتلين من حركة الشباب.
وتقول: " لم يكن هنا سوى النساء والأطفال وكبار السن، وكانت الحياة قبل الغارات هادئة وطبيعية".
أما ماريان نور بوروجي، فتحدثت للصحيفة عن ابنة زوجها الحامل التي هرعت إلى مدرسة القرآن بحثا عن مأوى من القصف، بينما كانت تحمل طفلها الصغير على ظهرها، وبعد وقت قصير أصابت صواريخ المدرسة نفسها.
وتقول بوروجي لغارديان إن ابنة زوجها قتلت في مكانها، بينما نجا الطفل الصغير بطريقة وصفتها بالمعجزة، وتضيف: " لم تمت بسبب اشتباك أو معركة، بل بسبب شظية صاروخ أصابت صدرها وعنقها وقتلتها".
ورغم مرور أشهر على الهجوم، يقول الأهالي إنهم لم يتلقوا أي اتصال من السلطات الأمريكية أو الحكومة الصومالية، ولم تصلهم تفسيرات ولم تُفتح تحقيقات معلنة ولم يحصلوا على تعويضات.
وتطالب بوروجي بالاعتراف بمعاناتهم قبل أي شيء آخر، وتقول: " أطالب بتعويض عن الجريمة التي لحقت بعائلتنا.
لا أستطيع حتى توفير الطعام اليوم".
ولا تزال آثار الهجوم حاضرة في حياة سكان جمامي؛ فحتى بعد انتهاء القصف، بقيت الطائرات المسيّرة تحلق فوق البلدة لأشهر طويلة، ناشرة الخوف بين السكان.
ويقول محمد، الذي فقد 4 من أحفاده: " لا نستطيع النوم بسبب صوت الطائرات، فهي تحلق فوقنا كل ليلة، وحتى عندما نحاول النوم نخشى أن نُقتل".
لكن أكثر ما يؤلمه -وفق ما نقلته غارديان- ليس الخوف من المستقبل، بل ذكرى ذلك الصباح، وأخبر الصحيفة بصوت يختلط فيه الحزن بالغضب: " لم أستطع حتى الإمساك بأجسادهم، لقد كانت ممزقة بالكامل".
ويتابع قائلا: " كانوا يحبون تعلم القرآن فقط، وفي يومهم الأخير، حرموا حتى من تناول وجبة الإفطار".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك