رام الله –" استيقظت على أصوات انفجارات قريبة، ولولا عناية الله لكنت الآن جثة محروقة أنا وزوجتي وطفلتي الصغيرة".
بهذه العبارة وصف الشيخ محمد الخصيب، إمام مسجد جلجليا الكبير، حادثة إحراق مستوطنين للطابق الثاني من المسجد، بينما كان ينام مع عائلته في مسكن بالطابق الأرضي قبيل فجر اليوم الأربعاء.
ولحظات قليلة فقط فصلت بين إشعال المستوطنين النار في المسجد المكون من ثلاثة طوابق وبين تمكن الشيخ محمد من فتح الأبواب ونداء أهالي القرية للمساعدة في إخماد الحريق.
يقول الخصيب للجزيرة نت إن الأصوات كانت ناتجة عن تحطم الزجاج والأبواب في الطابق الثاني، حيث يقع المتوضأ، وذلك بسبب كثافة النيران وشدتها.
ويؤكد أنه لو تأخر قليلا لوصلت النار إلى الطابق الذي يقيم فيه، وإلى الطابق الثالث الذي يضم المصلى.
وعند الساعة الثانية من فجر اليوم الأربعاء، كانت مجموعة من المستوطنين تخط شعارات عنصرية على جدران مسجد جلجليا، فيما ألقى عدد منهم نحو 15 إطارا مشتعلا داخل المسجد وفي محيطه، ما أحدث دمارا كاملا في المتوضأ، إذ وصلت حرارة النيران إلى البلاط والجدران وتسببت في تحطيمها.
وتضمنت العبارات التي خطها المستوطنون تحيات لمستوطنين آخرين شاركوا في اعتداءات سابقة على مساجد وممتلكات فلسطينية، كما كُتبت عبارات مثل" هيا إلى ليلة حرق المساجد"، ونداءات تشجيع على تنفيذ عمليات حرق مماثلة، من بينها عبارة: " يا جماعة استيقظوا"، في رسالة موجهة إلى مستوطنين آخرين لشن هجمات على مساجد أخرى في الضفة الغربية.
وتزامنا مع إحراق مسجد جلجليا الكبير، كانت مجموعات أخرى من المستوطنين تحرق مسجدا آخر في قرية مزارع النوباني المجاورة.
وبحسب رئيس مجلس قروي جلجليا، أسامة أسعد، فإن هذا الاعتداء ليس الأول من نوعه على القرية التي يقطنها نحو ألف نسمة، وتصنف ضمن مناطق سيطرة السلطة الفلسطينية" أ"، حسب تصنيف اتفاق أوسلو.
ويقول للجزيرة نت" انتبه الأهالي إلى الحريق واتصلوا بالدفاع المدني، كما ساعد أهالي القرى المجاورة بشكل عاجل في عمليات الإطفاء، ما حال دون امتداد النيران إلى بقية أجزاء المسجد".
ويضيف أن الاعتداءات تتم بصورة ممنهجة ومنظمة، وتستهدف المساجد بشكل أساسي بهدف إرهاب المواطنين الفلسطينيين.
ويحيط بجلجليا عدد من المستوطنات والبؤر الاستيطانية، كما أقام مستوطنون من رعاة الأغنام، قبل عدة أشهر، بؤرة استيطانية بمحاذاة القرية.
ويتعرض الأهالي في هذه المنطقة لاعتداءات شبه يومية، شملت سرقة قطيع من الماشية قبل أسابيع، وإحراق مركبة لأحد المواطنين قبل نحو شهرين، إضافة إلى محاولة إحراق منزل في الفترة نفسها.
ووثقت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية، منذ بداية عام 2025 وحتى اليوم، 50 اعتداءً على المساجد والمقامات الدينية في الضفة الغربية.
وتأتي هذه الاعتداءات بالتزامن مع تصاعد وتيرة التوسع الاستيطاني في مختلف محافظات الضفة الغربية، وتعرض المواطنين الفلسطينيين يوميا لهجمات المستوطنين، التي تشمل إحراق المحاصيل الزراعية، وسرقة المواشي، وتدمير الممتلكات، إضافة إلى تسجيل عمليات إحراق منازل، خاصة في محافظة رام الله ومناطق جنوب نابلس.
في قرية برقا شرقي رام الله، كان مسجد القرية، الأحد الماضي، على موعد مع اعتداء نفذته مجموعات من المستوطنين قبل وقت قصير من صلاة العشاء.
ورغم وجود عدد من المصلين داخل المسجد، فإن المستوطنين ألقوا موادَّ حارقةً في الطابق الأول أدت إلى اشتعال النار فيه.
وبحسب رئيس بلدية برقا صايل كنعان، فإن نحو ستة مستوطنين نفذوا سلسلة هجمات استهدفت عدة مساجد في المنطقة الشرقية من محافظة رام الله، إذ أشعلوا النار في مسجد قرية دير دبوان قبيل صلاة المغرب، ثم حاولوا إحراق مسجد برقا مع حلول وقت صلاة العشاء، كما أحرقوا سيارة تعود لأحد المصلين الموجودين داخل المسجد.
وذكر صايل للجزيرة نت أن المستوطنين كانوا يحملون إطارات سيارات مغطاة بمادة البنزين، وكانوا يخططون لاقتحام المسجد المكون من طابقين.
وقد وصلوا بالفعل إلى الطابق الأول، وحطموا زجاج النوافذ وألقوا مواد حارقة، إلا أن وجود المصلين داخل المسجد حال دون إتمام مخططهم.
وسرعان ما أطلق المصلون نداءات عبر مكبرات الصوت، فتوافد أهالي البلدة وتمكنوا من التصدي للمهاجمين وإخماد الحريق في السيارة والطابق الأرضي من المسجد.
ويرى كنعان أن الهجمات التي تنفذها مجموعات المستوطنين المتطرفين المسماة" فتية التلال" تهدف إلى إفراغ البلدات الفلسطينية من سكانها عبر الترهيب والتهديد بالحرق والاعتداءات المتكررة، مؤكداً أن تمسك الأهالي بأراضيهم ومنازلهم هو السبيل لإفشال مخططات الاستيطان والسيطرة على الأراضي الفلسطينية.
وبحسب أحمد الرفاعي، مسؤول قسم توثيق الاعتداءات في وزارة الأوقاف الفلسطينية، فإن استهداف المقامات الدينية والمساجد شهد تصاعدا ملحوظا خلال الأشهر الأخيرة، وتمثل في اقتحام المقامات الدينية، وخط شعارات عنصرية على جدران المساجد، ومحاولات إحراق بعضها، وإغلاق عدد منها في مناطق مختلفة.
وكان آخر هذه الاعتداءات قبل أيام إحراق مسجد في قرية برقا ومسجد في دير دبوان شرقي رام الله، إضافة إلى الاعتداء على مسجد ببلدة مزارع النوباني، ومقامات دينية في بلدة سنجل شمال شرقي رام الله.
ويؤكد الرفاعي للجزيرة نت أن جيش الاحتلال والحكومة الإسرائيلية يتساهلان في التعامل مع المستوطنين الذين ينشطون في الاعتداءات اليومية على المساجد وممتلكات المواطنين.
وتطرق لدعم الحكومة الإسرائيلية لمجموعات" فتية التلال" الاستيطانية في اعتداءاتها على مزارع المواطنين ومنازلهم ودور العبادة والمقامات الدينية، مشيراً إلى مخصصات مالية أُعلن عنها منذ أيام لكل عضو مشارك في هذه المجموعات، ما يشكل دعماً فعلياً وحقيقياً لها ولأفعالها على الأرض.
ويشير الرفاعي إلى الاقتحامات الواسعة للمسجد الأقصى، والتصرفات الاستفزازية التي ينفذها مستوطنون ومسؤولون بقيادة الوزير المتطرف إيتمار بن غفير.
واليوم الأربعاء، شهدت باحات المسجد الأقصى اقتحام 107 مستوطنين بحماية من شرطة الاحتلال، كما يشهد الأقصى يوميا اقتحامات صباحية ومسائية وأداء للصلوات اليهودية، إضافة إلى إجراءات تحد من وصول المسلمين وأهالي القدس إليه.
ووفق المسؤول بوزارة الأوقاف الفلسطينية، فإن ما تتعرض له مساجد الضفة الغربية يأتي ضمن سياسة ممنهجة لا تنفصل عن الإجراءات العقابية التي تفرضها إسرائيل على الفلسطينيين، والمتمثلة في إغلاق المدن، وإقامة الحواجز العسكرية بين البلدات والقرى، وهدم المنازل، وتهجير السكان، وإقامة معسكرات لجيش الاحتلال في المناطق الخاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية، إلى جانب بناء وحدات استيطانية جديدة، بما يجعل حياة الفلسطيني أكثر صعوبة ويدفعه إلى الهجرة.
من جهته، يربط الباحث المختص بالشأن الإسرائيلي محمد دراغمة بين تزايد هجمات المستوطنين على المساجد الفلسطينية وبين سياسة الاحتلال العامة في الضفة، التي تقوم على انتهاك المقدسات الإسلامية والمسيحية.
ويضيف في حديثه للجزيرة نت أن استهداف المساجد في الضفة لا يأتي فقط من قبل المستوطنين، وإنما يأتي من المستوى الرسمي الإسرائيلي أيضا، خاصة في الأراضي المحتلة عام 1948.
وأضاف أن ذلك كان واضحا عبر تصريحات إيتمار بن غفير بشأن نيته منع الأذان، كما شهدت السنوات السابقة دعوات من أعضاء مختلفين في حكومات الاحتلال إلى تخفيض أصوات الأذان في المساجد، ومنع استخدام مكبرات الصوت، وخطب الجمعة، فرض مخالفات على بعض المساجد بحجة علو صوت الأذان فيها.
ويضيف" هذه سياسة عامة لإسرائيل، والمستوطنون جزء من هذه السياسة، إذ يقومون بعمليات حرق وتخريب للأماكن المقدسة والمساجد وكتابة شعارات عليها.
ويأتي ذلك في إطار استفزاز الأهالي، لأنهم يدركون أهمية ومعنى دور العبادة للفلسطينيين في الضفة".
ويختم بالقول إن المستوطنين يرون أن جزءا من الصراع مع الفلسطينيين هو صراع ديني، ويسعون إلى إعطائه صبغة دينية تدفعه إلى مزيد من التوتر والمواجهة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك