كتب زياد فرحان المجالي تعلمنا تجارب الشرق الأوسط الحديثة أن الحروب الكبرى لا تنتهي عادةً بانتصارات عسكرية حاسمة بقدر ما تنتهي بتسويات سياسية تعكس موازين القوى الفعلية على الأرض.
فبعد سنوات من المواجهات والضغوط والعقوبات والتصعيد المتبادل، يبدو أن المنطقة تقف اليوم أمام محطة جديدة قد تشكل واحدة من أهم التحولات السياسية في السنوات الأخيرة، مع اقتراب توقيع مذكرة التفاهم الأميركية ـ الإيرانية في سويسرا.
لا تكمن أهمية الاتفاق المرتقب في بنوده التقنية فحسب، بل في الرسائل السياسية التي يحملها.
فالتسريبات المتداولة تشير إلى حزمة مالية واستثمارية ضخمة تصل قيمتها إلى نحو 300 مليار دولار تحت عناوين إعادة الإعمار والاستقرار الاقتصادي وشبكات الأمان المالي.
وهذا الرقم، بصرف النظر عن تفاصيله النهائية، يعكس إدراكاً متزايداً لدى القوى الكبرى بأن كلفة استمرار المواجهة أصبحت أعلى من كلفة التسوية.
في السياسة الدولية لا تُمنح المليارات عادةً لأسباب إنسانية بحتة، بل تُدفع غالباً لضمان الاستقرار ومنع الانفجار وإدارة التوازنات الإقليمية.
ومن هذا المنظور يمكن قراءة الحزمة الاقتصادية باعتبارها جزءاً من مقاربة أوسع تهدف إلى تثبيت التهدئة وتأمين الممرات البحرية وحماية أسواق الطاقة العالمية التي تعرضت خلال السنوات الأخيرة لضغوط غير مسبوقة.
كما تعكس هذه المقاربة تحوّلاً في أولويات العواصم الغربية.
فبعد سنوات من الرهان على العقوبات والضغوط القصوى، يبدو أن واشنطن وحلفاءها باتوا أكثر ميلاً إلى استخدام الحوافز الاقتصادية كأداة لتحقيق أهداف سياسية وأمنية يصعب تحقيقها بالقوة العسكرية وحدها.
وهذا لا يعني بالضرورة التخلي عن أدوات الضغط، لكنه يشير إلى محاولة إعادة ترتيب الأولويات بما ينسجم مع متطلبات الاستقرار الاقتصادي العالمي.
وعلى المستوى الأمني، تقوم الصيغة المتداولة على معادلة يمكن وصفها بأنها "الاستقرار مقابل التسهيلات الاقتصادية".
فالمذكرة تتحدث عن وقف شامل للعمليات القتالية وفتح المسارات البحرية وتهيئة الظروف لعودة النشاط التجاري والطاقة إلى مستويات أكثر استقراراً، مقابل التزامات إيرانية تتعلق بالمسار النووي وعدم السعي إلى إنتاج سلاح نووي.
غير أن الملف الأكثر حساسية لا يزال مؤجلاً، وهو ملف اليورانيوم عالي التخصيب وآليات الرقابة المستقبلية.
فإرجاء هذه القضية إلى مفاوضات لاحقة يمنح الاتفاق طابعاً انتقالياً أكثر من كونه تسوية نهائية، ويعكس إدراك الأطراف لصعوبة معالجة جميع الملفات دفعة واحدة في ظل التعقيدات الإقليمية القائمة.
أما في إسرائيل، فإن الاتفاق يثير نقاشاً واسعاً حول حدود القوة العسكرية وقدرتها على تحقيق الأهداف السياسية بعيدة المدى.
فبينما راهنت بعض الأوساط الإسرائيلية على أن الضغوط المتواصلة قد تؤدي إلى تقليص النفوذ الإيراني بصورة جوهرية، تشير التطورات الحالية إلى أن الولايات المتحدة تفضل إدارة التوازنات الإقليمية عبر التسويات المرحلية وتجنب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة قد تحمل كلفة استراتيجية واقتصادية مرتفعة.
وتزداد أهمية هذا التحول في ظل وجود أطراف إقليمية عديدة تنظر إلى الاتفاق باعتباره فرصة لتخفيف التوترات وإعادة ترتيب أولويات المنطقة.
فدول عديدة باتت ترى أن الاستقرار الاقتصادي وحرية الملاحة وأمن الطاقة تمثل مصالح مشتركة تتجاوز الحسابات التقليدية للصراع، وهو ما يمنح أي تسوية محتملة زخماً إضافياً على المستوى الدولي.
في النهاية، سواء خرجت المفاوضات بصيغتها الحالية أو شهدت تعديلات في اللحظات الأخيرة، فإن الرسالة الأبرز تبدو واضحة: الاقتصاد أصبح شريكاً أساسياً في صناعة الأمن، والتسويات الكبرى لم تعد تُبنى على موازين القوة العسكرية وحدها، بل على قدرة الأطراف المختلفة على تحمّل كلفة الصراع وإدارة تداعياته.
ولهذا فإن الرقم الأكثر دلالة في المشهد الحالي قد لا يكون عدد الصواريخ أو حجم الترسانات العسكرية، بل تلك المليارات التي يجري رصدها لمنع الحرب من العودة.
فحين تصبح كلفة الاستقرار أقل من كلفة المواجهة، تبدأ السياسة باستعادة دورها، وتعود الدبلوماسية إلى الواجهة بعد أن تتراجع أصوات المدافع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك