قناة الجزيرة مباشر - نقاش الساعة - حدود قدرة الاتفاق الأمريكي الإيراني على صياغة نظام إقليمي جديد فرانس 24 - "بموجب ترخيص"... دول في مجموعة السبع تسعى لإنتاج صواريخ بعيدة المدى في أوكرانيا قناة القاهرة الإخبارية - السفير محمد حجازي: مشاركة الرئيس المصري في قمة مجموعة السبع كانت ذات تأثير في ضبط إيقاع المرحلة روسيا اليوم - هولندا تخطط للتخلي عن الاعتماد على الولايات المتحدة في مجال الدفاع فرانس 24 - مونديال 2026: البرتغال تستهل مشوارها بتعادل مخيب مع الكونغو الديموقراطية Euronews عــربي - معرض إسرائيلي في لندن يشعل أزمة بعد اتهامات بالترويج لعقارات في المستوطنات قناة الجزيرة مباشر - الأمين العام لحزب الله: لقد أحبطنا تحقيق مشروع إسرائيل الكبرى روسيا اليوم - دميترييف: أوروبا وبريطانيا في "حالة غضب" وتحاولان تعطيل الحوار الروسي الأمريكي Euronews عــربي - تفاصيل مذكرة التفاهم الأمريكية ـ الإيرانية إلى العلن.. وترامب: التوقيع خلال 48 ساعة قناة الجزيرة مباشر - African Union Allocates $920 Million to Combat Ebola
عامة

ليس عزاء بل ضوءا: كيف نحب في حياة صعبة كهذه؟

القدس العربي
القدس العربي منذ 1 ساعة

أنا أكبر منكِ الآن، وأود أن أقول لك، كصديق، إننا علينا أن نترفق بأنفسنا مثلما نترفق بالآخرين. بالطبع تصل بنا الصرامة إلى ما هو أبعد دوما، لكنني لا أحب نموذج الشعلة التي تحترق سريعا لأنها تنير أقوى. نع...

أنا أكبر منكِ الآن، وأود أن أقول لك، كصديق، إننا علينا أن نترفق بأنفسنا مثلما نترفق بالآخرين.

بالطبع تصل بنا الصرامة إلى ما هو أبعد دوما، لكنني لا أحب نموذج الشعلة التي تحترق سريعا لأنها تنير أقوى.

نعم أنبهر به، لكنني لا أوده لنفسي.

ربما لأني أكره الموت.

هذا جزء من رسالة يبعثها مينا ناجي إلى صديقته، كما يصفها سيمون فاي في خاتمته لكتابه «ليس عزاء بل ضوءا.

في استلهام فكر وفلسفة سيمون فاي»، الصادر عن مجموعة بيت الحكمة للثقافة، وفيها أيضا يخبرها أن هناك خوفا واستنكارا من التفكير الفعلي في مجتمعنا، حتى وسط الكُتَّاب، حيث يظهر هذا الخوف بأشكال مختلفة: النفور من الكتابات الفكرية، فصلها عن الواقع المعاش، الاصطناع المبتذل في محاكاتها، ذاكرا لها أنه يرى الآن فيها جانبا باهرا وهو شجاعتها على التفكير الذي ظهر في سن صغيرة.

في مقدمته يعترف مينا ناجي أن هناك سؤالا شغله في السنوات الأخيرة وهو كيف نحب في حياة صعبة كهذه؟ ذاكرا أنه يرى الحب بمعانيه المتعددة، قيمة مثالية كبرى من المفترض أن تعاش بها الحياة، وفي الوقت نفسه لا تسمح الحياة كما نعيشها بمثل هذه المثالية، التي ربما يُنظر إليها كشيء رومانتيكي ساذج أو صوفي حالم، مشيرا إلى أنه بدأ بهذا السؤال لأنه كان دافعا أساسيّا للاهتمام بالمفكرة والمتصوفة والناشطة السياسية الفرنسية سيمون فاي، التي ولدت في باريس عام 1909 لأبوين بورجوازيين، ورحلت عام 1943.

هنا يذكر ناجي أن سيمون فاي كانت تكتب بكثافة طوال حياتها الواعية في الفلسفة والتصوف والسياسة والتنظيم الاجتماعي، لكن لم يُنشر في حياتها سوى بعض المقالات وكتاب واحد هو «القمع والحرية»، ولم تلقَ كتاباتها الاهتمام إلا بعد وفاتها التي كانت وهي في الرابعة والثلاثين من العمر، غير أنها بحلول عام 2012 كان هناك أكثر من خمسة آلاف كتاب ودراسة أكاديمية ومقال عن أعمالها وحياتها، معتقدا أنه، كما عند المتصوفة، ينبع جمال كتابات فاي من الاستخدام «الحقيقي» للواقع الذي تراه وتعيشه، أي التعبير عن «جمال الحقيقة» كما أشارت هي بنفسها عن الكتابات الصوفية، حيث ترتكز في روحانيتها على تراث اللاهوت ـ السلبي المسيحي الصوفي والروحانيات الشرقية المتنوعة في تداخل مع التراث اليوناني العقلاني المؤسس للفلسفة الغربية.

ناجي الذي يتساءل بمَ يفيدنا الآن الحديث عن الحب ومناقشته كوسيلة أو استراتيجية للعيش، يقول إنه لا يخفى على بعضنا أن هناك إحراجا وخجلا ما لذكر تلك الكلمة في سياق جاد، ويأتي هذا الخجل من منظومة التصورات الاجتماعية التي تمد كلمة الحب بالمعاني: الحب هو غيبوبة عن الواقع، نقص خبرة في الحياة العملية وكيف تسير، سذاجة سوف يعالجها الزمن، الحب هو صورة مراهق دامع يستمع إلى أغنية عاطفية ساذجة، ومع هذا فقد شغل موضوع الحب البشر بشكل أساسي وتحدث عنه الجميع: فلاسفة، شعراء، فنانون، كتاب، رجال دين، علماء نفس واجتماع، وحتى عامة الناس في ما بينهم، وقد تزامنت بداية الكتابة عن الحب مع بداية تاريخ الكتابة، بسبب السيطرة الهائلة والتأثير الرهيب الذي يملكه هذا المفهوم في حيوات الناس وتعدد معانيه وأوجهه وتداخله في جميع مناحي الحياة تقريبا، ذاكرا أن سيمون فاي تشير في كتاباتها إلى ما سمته «الحب الفائق الطبيعة»، لكونه غير مشروط بالطبيعة ولا محدد بها، وهذا هو الحب غير العادي الذي نبحث عنه أثناء رحلة بحثنا أو تشافينا، لإدراكنا أن الحياة السوية أو التشافي مرهون به، أي مرهون بالآخر، والحب، مثلما تقول فاي، ليس عزاء بل ضوءا.

ناجي الذي مر بمواقف ووقائع رأى فيها انحسار دور التفكير في مجتمعاتنا، يشير إلى أن المجال الأكاديمي عندنا ليس أفضل حالا، حيث إن أغلب الرسائل البحثية في الجامعة، التي صادفها في طريقه، إما تتحرك خلال الإطار الديني ـ الشرعي، أو لا تتجرأ، بعيدا عن هذا الإطار، في طرح رؤى جديدة لقضايا ملحة تواجه مجتمعنا وحياتنا، مؤكدا أن الجامعة أيضا لا تبحث عن الحقيقة، بل عن الأداء والنجاح الوظيفي، لذلك نحتاج إلى مفكرين أحرار وجادين مثل سيمون فاي الآن وفي كل وقت، معتقدا أن هناك ضرورة وأهمية للمناقشة الفلسفية والفكرية والعملية المستمرة لمفهوم الحب، على ضوء الدرس المهم لفاي في ربطها الذكاء بالحب ليغذي كل منهما الآخر ويحميه من السقوط في فخ العدمية والنفعية، مؤكدا أن ما نحتاجه الآن هو إعادة تأسيس الحب كقيمة كبرى لمحاربة العدمية، التي تنبأ بها نيتشه وآخرون ونعيشها بالفعل، مرددا قول بارت: أتصرف دوما – أصر على التصرف، مهما قيل لي ومهما كانت إحباطاتي، كما لو أن الحب قد يتحقق يوما، كما لو أن الخير الأسمى ممكن.

أيضا يبدأ ناجي حديثه عن الدين قائلا، إن الفيلسوف جون كابوتو أحد تلاميذ دريدا يشير إلى أن نقيض الشخص المتدين هو الشخص غير المحب، مستشهدا بقول القديس يوحنا: من لا يحب لم يعرف الله، متسائلا باستنكار: كم من المتدينين في حياتنا يفاجئوننا بمدى الانتهاكات التي وجدوا رخصا في نفوسهم لممارستها، رغم تمسكهم المتشنج بالطقوس والشعائر والممارسات الدينية، ذاكرا أن الفرد الذي نشأ في مجتمع مؤمن ومتدين لا يختبر الإيمان بشكل حقيقي كاختبار وجودي، ويكون بذلك اعتقاده الاجتماعي هذا «محاكاة تامة للإيمان»، لا إيمانا فعليّا، وأنه على خلاف تصوف القرون الوسطى المسيحي الذي تأثرت به سيمون فاي روحيّا بعمق، فإن نقطة انطلاقها الروحية ليس اليقين بوجود الله، بل حقيقة الشوق إليه، فحتى عدم وجود الله لا يؤثر في إحساس رغبة الإنسان فيه، وقد قالت إننا يجب أن نرغب في الله مثلما يرغب البخيل في كنزه المخفي في الأرض فيحرم نفسه منه.

كذلك يكتب مينا ناجي قائلا، إن العدمية في مجتمعاتنا لا تأتي من نجاح الدخول في الحداثة، بل من فشل الانتقال إليها بالذات، وحلها ليس عودة مفترضة إلى الدين، لا تُشبع أبدا، لأنها ستكون عودة شكلية، معطلة للحياة وتطورها الأخلاقي والإنساني في أفضل الأحوال، وقامعة ومستبدة وطائفية في أسوأها، مؤكدا أن أولى خطوات علاج العدمية في الاعتراف بها أصلا وتحمّل مسؤوليتها، مشيرا إلى أن سيمون فاي تنتقد الحداثة، وتستعرض كيف جعل الإنسان نفسه عبدا لاختراعاته وتقدمه، لكنها أيضا ترفض العودة إلى حالة بدائية من السحر والشعوذة، لأنه بالنسبة لها هروب من الواقع وحل كسول، وتطرح حل إعادة اكتشاف الجوهر الروحي الأصيل في الحضارة المسيحية الأوروبية نفسها، فهي تؤمن بالطاقة الروحية للدين كسبيل لنجاة أوروبا العلمانية.

هذا وفي مقدمته وخاتمته وثلاثة فصول بينهما عن الحب، عن الدين، وعن قراءة التاريخ، يقول مينا ناجي باختصار هنا إنه حاول تحضير روح سيمون فاي بعد وفاتها بأكثر من ثمانين عاما، كي تتحدث إليه ويتعرف إليها أكثر، وما شعر به خلال «جلسة التحضير» هذه هو أنها تدفعنا إلى أن نكون نُسخا أفضل من أنفسنا، فهي على عكس النهج الشائع، تشير إلى أن القدرة على التجاوز تأتي من الخارج، إلا أنه يلزمنا أن نتحرك ناحية مصدر هذه القدرة بأنفسنا.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك