حين تصبح التقنية أصلًا كالنفط.
هشاشة الاعتماد وفرصة السيادةفي عصر الذكاء الاصطناعي، تنتقل السيادة من امتلاك الأصل إلى امتلاك قرار استدامته.
فالقدرة التي تُمنح اليوم، يمكن أن تُمنع غدًا.
والسؤال الذي يفرض نفسه: ماذا لو كان الإيقاف قد طال قطاعًا حيويًا بُني عليه فعلًا؟قبل أيام، أوقفت الحكومة الأمريكية الوصول إلى أحدث نماذج الذكاء الاصطناعي وأكثرها تطورًا لدى إحدى كبرى الشركات، أمام كل من لا يحمل الجنسية الأمريكية، داخل البلاد وخارجها، حتى موظفي الشركة أنفسهم، استنادًا إلى اعتبارات الأمن القومي.
ولم يكن قد مضى على إطلاق النموذج سوى أيام، حتى أُوقف فجأة عمّن بدأوا باستخدامه.
حادثةٌ محدودة الأثر في ذاتها، لكنها تطرح سؤالًا أكبر منها بكثير.
قبل سنوات، كان السؤال الذي يشغل الحكومات هو: كيف نواكب الذكاء الاصطناعي ونوظّفه في خدماتنا؟ أما اليوم، فقد بدأ يفرض نفسه سؤال مختلف: ماذا لو أصبحت هذه القدرة التي نعتمد عليها قابلةً للإيقاف بقرارٍ لا نملكه؟ فالمسألة لم تعد في امتلاك التقنية، بل في امتلاك ضمان استمرارها.
ولا يعني هذا أن التكنولوجيا خطر، ولا أن حرص الدولة على أمنها القومي غير مشروع؛ فمن حق كل دولة أن تحمي أمنها، وهذا مبدأ لا جدال فيه.
غير أن الدرس أعمق من قرارٍ بعينه.
فحين تمرّ قدرة حيوية عبر جهةٍ واحدة، خاضعةٍ لولاية دولةٍ واحدة، تصبح قابلةً للإيقاف متى شاء صاحب القرار: اليوم لاعتبارٍ أمني، وغدًا ربما لاعتبارٍ آخر.
والإشكال هنا لا يكمن في النية، بل في البنية التي تجعل الإيقاف ممكنًا من الأساس.
وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر بالنسبة لدولةٍ مثل قطر، التي جعلت من الذكاء الاصطناعي جزءًا من مشروع استراتيجي طويل الأمد للتحول الرقمي والتنويع الاقتصادي، كما تعكس ذلك الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي واستثماراتها المتنامية في مراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية.
فكلما تعمّق اعتماد قطاعاتنا الحيوية، من المال إلى الطاقة إلى الخدمات الحكومية، على قدرةٍ لا نملك قرارها، اتّسعت الفجوة التي قد نواجهها إن غابت فجأة.
وهنا لا نقف أمام خيار صحيح وآخر خاطئ، بل أمام مسارين يحمل كلٌّ منهما كلفته.
فالاندفاع نحو بناء نموذجٍ يضاهي أكبر النماذج العالمية سباقٌ مكلفٌ يصعب حسمه اليوم، والاكتفاء بالاعتماد الكامل على ما يصنعه غيرنا مخاطرةٌ مؤجّلة.
والمخرج بينهما أن نملك ما نقدر على امتلاكه فعلًا، قدرةً وطنيةً تكفي حاجتنا الداخلية، ولا تتوقّف بقرارٍ يُتخذ خارج حدودنا.
والقدرة الوطنية التي نقصدها أوسع من البنية والأجهزة.
فهي تبدأ ببناء جيلٍ من الكفاءات الوطنية قادرٍ على استيعاب المعرفة، والتعامل مع تقنياتٍ شديدة التقدم لم تأتِ بعد، وعلى حوكمتها وتنظيمها.
فالسيادة التقنية لا تُشترى جاهزة، بل تُبنى بالعقول قبل الأجهزة.
والأهم أن أمامنا ميزةً لا يملكها سوانا.
فالنماذج العالمية الكبرى تظل ضعيفةً في اللغة العربية، وأضعف في إدراك سياقنا الثقافي والديني.
والأبعد من ذلك أن من يصنع النموذج لا يصوغ إجاباته فحسب، بل يرسم، عن قصدٍ أو غير قصد، حدود ما يُعدّ مقبولًا أو مرفوضًا، صحيحًا أو مضللًا، داخل فضائه اللغوي والثقافي.
وقد بدأت قطر معالجة هذا الفراغ مبكرًا عبر نموذج «فنار»، الذي طوّره معهد قطر لبحوث الحوسبة بجامعة حمد بن خليفة ليكون نموذجًا عربيًا يراعي لغتنا وثقافتنا وقيمنا.
المطلوب اليوم هو البناء على هذه الانطلاقة وتعميقها، حتى تتحول من خطوةٍ رائدة إلى قدرةٍ وطنيةٍ راسخة، تسدّ فراغًا في الداخل وتحمل قيمةً قابلةً للتصدير إلى محيطنا العربي والإسلامي.
وكما تحوّل النفط من موردٍ خام إلى أصلٍ سيادي، يمكن للتقنية أن تتحول من قدرةٍ نستوردها إلى ثروةٍ نصنعها.
ويبقى الدرس الأعمق في عبارةٍ واحدة: العضوية ليست وصولًا.
فأن نكون جزءًا من منظومات التعاون التقني الدولية أمرٌ مهم، لكنه لا يضمن وحده ألا نُستثنى بقرارٍ يُتخذ بعيدًا عنا.
في النهاية، لا ينبغي أن يكون النقاش حول ما إذا كنا سنعتمد على التقنية أو نستغني عنها، بل حول قدرتنا على أن نوازن بين أمرين متلازمين: انفتاحٍ يتيح لنا الإفادة من أفضل ما ينتجه العالم، وقدرةٍ وطنيةٍ تضمن ألا يكون بقاء ما نعتمد عليه رهنًا بيد سوانا.
فالانفتاح يمنحنا الكفاءة، والسيادة تمنحنا الأمان، أما النجاح الحقيقي فيكمن في ألا نُفرّط في أحدهما طلبًا للآخر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك