ترجمة: علاء الدين أبو زينةدانيال وارنر* - (كاونتربنش) 12/6/2026" ثمة هدنة [بين لبنان وإسرائيل] سارية منذ 17 نيسان (أبريل) ولم يتم احترامها قط"، هكذا أعلنت" وكالة الصحافة الفرنسية".
فما هي إذن قيمة وقف إطلاق النار إذا استمر القتال؟ من لبنان إلى أوكرانيا، يجري الإعلان عن اتفاقات وقف إطلاق النار وسط ضجة إعلامية كبيرة، فقط ليتم انتهاكها بسرعة لا تُصدّق.
ومع ذلك، يواصل الساسة والمعلقون الحديث كما لو أن وقف إطلاق النار والسلام هما الشيء نفسه.
اضافة اعلانيقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بين الأكثر تكريساً لهذا الخلط.
وتتبع ادعاءاته بأنه" أنهى" ثماني حروب نمطاً مألوفاً: فيها يتحول وقف إطلاق النار إلى سلام؛ وتتحول المفاوضات إلى اتفاق نهائي؛ ويتحول التوقف المؤقت للقتال إلى نهاية للحرب.
وتخفي تصريحاته حقيقة أساسية هي أن النزاعات التي يشير إليها ما تزال بلا تسوية، تماماً كما يتم إعلان أن شجاراً في ساحة مدرسة قد" انتهى" بمجرد فصل الأطفال بعضهم عن بعض.
هل" أنهى" ترامب حقاً ثماني حروب؟ وهل انتهت حقاً النزاعات الكامنة وراءها؟ ما يزال لبنان غير مستقر.
وتواصل إيران وإسرائيل تبادل التهديدات والهجمات.
وما تزال روسيا وأوكرانيا في حالة حرب.
وما يزال الحوثيون يطلقون الصواريخ.
ولم تُحلّ قضية غزة.
وما يزال النزاع قائماً في كشمير.
وما تزال جمهورية الكونغو الديمقراطية غارقة في العنف.
وغالباً ما لا تعدو ادعاءات الرئيس كونها إعادة تسمية لعمليات استقرار جزئية، أو تطبيع، أو توقف مؤقت للقتال، باعتبارها حلولاً نهائية.
ولو كانت هذه الحروب قد" انتهت" فعلاً بفضل ترامب، فإنه لا يبدو أن أحداً أبلغ المقاتلين، والمدنيين الذين يُقتلون في المعارك، والملايين من النازحين والمتضررين، بذلك.
يشكل وقف إطلاق النار أحد أكثر إنجازات الدبلوماسية الحديثة موضعاً للاحتفال وأقلها قابلية للفهم.
وهو يولّد العناوين الرئيسية، والمؤتمرات الصحفية، والمصافحات، وإعلانات النجاح.
(يكفي النظر إلى الصورة الشهيرة التي التُقطت في البيت الأبيض في 13 أيلول (سبتمبر) 1993 لبيل كلينتون وإسحق رابين وياسر عرفات خلال عملية سلام أوسلو).
لكن كثيراً من اتفاقات وقف إطلاق النار يتم انتهاكها فوراً تقريباً.
بعضها ينهار خلال أيام.
وبعضها الآخر يستمر على الورق زمناً طويلاً بعد أن يكون قد اختفى من الواقع.
فما قيمة وقفات إطلاق النار؟ نشرت صحيفة" نيويورك تايمز" أخيراً عنواناً يقول: " ضربة إسرائيلية تقتل ثلاثة جنود لبنانيين بعد أيام من توقيع الهدنة".
وعلى الرغم من أن الاتفاقات الهادفة إلى وقف القتال قد تحمل بعض الفوائد، فإن كأس وقف إطلاق النار لا تبدو نصف ممتلئة، بل تكاد تكون فارغة تماماً.
وكثيراً ما يُحتفى بالوعود بينما يستمر القتال على الأرض.
وإليكم ثلاثة أمثلة حديثة على وهم وقف إطلاق النار:1.
في 3 حزيران (يونيو) 2026، تم الإعلان عن إطار جديد لوقف إطلاق النار بوساطة أميركية، وافقت بموجبه إسرائيل ولبنان على وقف للأعمال العدائية وتوسيع سيطرة الجيش اللبناني في جنوب لبنان.
لكنّ تبادل إطلاق النار تجدد في قطاعات حدودية عدة خلال أيام.
وتكررت عمليات الإجلاء في جنوب لبنان.
ونزح عشرات الآلاف من السكان.
واستمرت التقارير عن سقوط ضحايا نتيجة الاشتباكات المتواصلة في الظهور.
كان وقف إطلاق النار موجوداً فقط في البيانات الرسمية، وإنما ليس في السيطرة على الوقائع الميدانية.
2.
تحتفظ الولايات المتحدة وإيران بإطار لوقف إطلاق النار.
ويتهم كل طرف الآخر بانتهاكه.
ويستمر الضغط العسكري على جبهات متعددة.
وفي 8 حزيران (يونيو)، تبادلت إيران وإسرائيل مجدداً الضربات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة، متجاوزتين الهدنة الهشة ومشعلتين جولة جديدة من التصعيد.
واستهدفت الضربات الإسرائيلية مواقع داخل إيران، بينما وصلت الصواريخ الإيرانية إلى الأراضي الإسرائيلية.
كما امتد الاشتباك ليشمل هجمات إضافية من الشبكة الإقليمية الأوسع للقوى المتحالفة مع الطرفين.
كان وقف إطلاق النار قائماً في اللغة والخطاب، وإنما ليس في السلوك والممارسة.
3.
منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في العام 2022، فشلت المحاولات المتكررة لوقف إطلاق النار، وفترات التهدئة الإنسانية، والهدن المحلية في الصمود.
وما يزال القتال مستمراً في شرق أوكرانيا وجنوبها.
كما تتواصل الضربات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة على المدن الأوكرانية.
وغالباً ما تنهار فترات التهدئة المؤقتة في غضون أيام.
وعلى الرغم من ترتيب عمليات تبادل للأسرى ووقفات محدودة لإطلاق النار في بعض المناطق، فإن ذلك لم يترجم إلى تراجع مستدام في الأعمال القتالية أو إلى تقدم نحو تسوية سياسية.
ليست اتفاقات وقف إطلاق النار هنا سوى انقطاع مؤقت للقتال، وليست حلاً للنزاع.
لا ينطوي وضع وقف إطلاق النار على جديد.
وقد دأبت الجيوش على تعليق الحروب مؤقتاً منذ آلاف السنين: أحياناً من أجل التفاوض؛ وأحياناً لإعادة تنظيم الصفوف؛ وأحياناً لمجرد أن الطرفين بلغا حد الإنهاك.
في العالم القديم، كانت دول المدن اليونانية توقف الأعمال العدائية أحياناً خلال الاحتفالات الدينية، بينما كان الحكام في العصور الوسطى يعقدون اتفاقات هدنة توقف الحروب لأشهر -أو حتى لسنوات- من دون معالجة الأسباب الأساسية للنزاع.
وفي بعض الأحيان كان المقاتلون يتوقفون عن القتال، ببساطة من أجل العودة إلى ديارهم وحصاد محاصيلهم.
كان الشيء الذي يندر أن تفعله اتفاقات وقف إطلاق النار هو حلّ النزاع الذي توقفه مؤقتاً.
لكن هناك استثناءات.
في العصر الحديث تحولت بعض اتفاقات وقف إطلاق النار إلى نقاط انعطاف كبرى أنهت النزاعات بدلاً من أن تكون مجرد استراحة مؤقتة منها.
وعلى سبيل المثال، جمّد اتفاق وقف إطلاق النار في الحرب الكورية في العام 1953 خطوط القتال، وأوقف المعارك واسعة النطاق.
وعلى الرغم من أن النزاع لم يتم إنهاؤه رسمياً من خلال معاهدة سلام، فإن وقف إطلاق النار صمد إلى حد كبير لأكثر من سبعين عاماً.
وفي حالات أخرى، فتحت اتفاقات وقف إطلاق النار الباب أمام تسويات سياسية دائمة.
في إيرلندا الشمالية، ساعدت الهدن المتكررة التي أعلنتها الجماعات شبه العسكرية خلال تسعينيات القرن الماضي على تهيئة الظروف للمفاوضات التي تُوجت بـ" اتفاق الجمعة العظيمة".
وفي الشرق الأوسط، مهدت اتفاقات وقف إطلاق النار التي أنهت الحرب العربية-الإسرائيلية للعام 1973 الطريق أمام الدبلوماسية بين مصر وإسرائيل، لتفضي في نهاية المطاف إلى معاهدة السلام التي أُبرمت في العام 1979.
ويمكن لاتفاقات وقف إطلاق النار أن توفر فسحة التنفس التي تحتاجها الدبلوماسية لتحقيق ما عجز عن تحقيقه الصراع المسلح.
مع ذلك، وعلى الرغم من هذه النجاحات المحدودة، لم تُصمم اتفاقات وقف إطلاق النار يوماً لتكون معاهدات سلام.
إنها مجرد أدوات لوقف العنف، وليس لحل النزاعات السياسية التي أفضت إلى ذلك العنف في المقام الأول.
ولذلك ينبغي قياس نجاحها بمدى قدرتها على خلق الظروف التي تجعل الحلول الدبلوماسية ممكنة.
ولا تكمن المشكلة في كثير من نزاعات اليوم في وجود اتفاقات لوقف إطلاق النار، وإنما في أنها تُعامل على نحو متزايد بوصفها بديلاً عن التسوية السياسية بدلاً من اعتبارها الخطوة الأولى الضرورية نحوها.
بهذا المعنى، يكون وقف إطلاق النار فاصلة وليس نقطة.
وكان جورج ميتشل قد عبر عن هذا الموقف خلال عمله على عملية السلام في إيرلندا الشمالية، حين قال: " ليست لدي أوهام بشأن صعوبة السلام.
إنه عمل شاق ودقيق يتطلب الصبر والمثابرة".
ومع ذلك، يواصل سياسيون مثل ترامب، ووسطاء عقاريون مثل ويتكوف وكوشنر، تقديم وقف إطلاق النار كما لو أنه نهاية الجملة؛ كما لو أنه العرض والخاتمة، مع فرص ضئيلة للاستدامة.
وهو يشبه مرور عين الإعصار قبل أن تعاود الرياح العاتية الهبوب من جديد.
وقد يكون الخلط بين وقف إطلاق النار والسلام مادة جيدة للدعاية السياسية وللحديث علناً عن" إنهاء" الحروب، لكنه يشكل إساءة للتاريخ.
إن ميل الساسة مثل ترامب، والصحفيين، والرأي العام إلى الخلط بين وقف الأعمال العدائية وحل النزاع، يحجب الجهود الدبلوماسية الأعمق الرامية إلى التوصل إلى تسويات دائمة.
وكان فريق باراك أوباما قد أمضى نحو عامين، بين 2013 و2015، في التفاوض على" الاتفاق النووي الإيراني"، بقيادة وزير الخارجية جون كيري، ونائبة الوزير ويندي شيرمان، ووزير الطاقة إرنست مونيز، وبمشاركة وثيقة من مسؤولي" مجلس الأمن القومي"، بمن فيهم جيك سوليفان وبن رودس.
ولا ينبغي الخلط بين سماسرة العقارات والدبلوماسيين.
كما لا ينبغي الخلط بين إعلان يمر على شريط الأخبار العاجلة في شبكة" سي إن إن" وبين ذلك" العمل الشاق والدقيق" الذي يتطلبه صنع السلام.
يمكن لوقف إطلاق النار أن يوقف الحرب مؤقتاً، لكنه لا يستطيع أن يحل النزاع الذي أنتجها.
وما يجري تقديمه كثيراً على أنه" إنهاء" للحرب ليس سوى عملية تسويق سياسي.
ولن تستطيع سوى الدبلوماسية المستدامة تحويل التوقف المؤقت للاشتباك إلى تسوية حقيقية.
*دانيال وارنر Daniel Warner: أكاديمي وكاتب أميركي متخصص في العلاقات الدولية والدبلوماسية، شغل لسنوات منصب نائب مدير" المعهد العالي للدراسات الدولية" في جنيف، وعمل أميناً عاماً بالإنابة بين العامين 2000 و2001.
ألّف كتاب" أخلاقيات المسؤولية في العلاقات الدولية" An Ethic of Responsibility in International Relations وكتب عشرات المقالات في الشؤون الدولية والقانون الدولي والسياسة الأميركية.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Imaginary Peace Treaties and the Ceasefire Illusion.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك