ما بعد التحول الرقمي: هل تُبرمج الخوارزميات عقول أبنائنا؟في أواخر القرن الثامن عشر، وبينما كان وباء الجدري يحصد أرواح الملايين حول العالم، لم يلجأ الطبيب الإنجليزي" إدوارد جينر" إلى عزل مرضاه في حصون مغلقة لحمايتهم، بل ذهب إلى خطوة بدت مجنونة حينها؛ إذ حَقن طفلاً سليماً بجرعة مخففة من الفيروس.
لم يكن" جينر" - حينها - يهاجم المرض من الخارج، بل كان يعمد إلى استثارة الجهاز المناعي للطفل ليبني حائط صدٍّ داخلي قادر على التعرف على الخطر وتدميره؛ وهكذا وُلد مفهوم" المناعة" الذي غيّر تاريخ الطب وأنقذ البشرية.
اليوم، ونحن نغرق في طوفان من المحتوى الرقمي والبيانات الموجهة، نجد أنفسنا أمام التحدي ذاته، ولكن في ساحة معركة مختلفة؛ ففي صمت مطبق وفي زاوية كل منزل تقريباً، يجلس طفل مسمّراً عينيه على شاشته الصغيرة، يمرر إصبعه إلى الأعلى بلا توقف، وهو بالنسبة للوالدين، يقضي مجرد" وقت ترفيهي".
لكن ما يحدث خلف تلك الزجاجة اللامعة هو أعقد عملية" هندسة نفسية" لتشكيل الوعي في التاريخ البشري؛ ففي تلك اللحظة، تعمل آلاف الخوارزميات المدعومة بالذكاء الاصطناعي وتُجري ملايين العمليات الحسابية في الثانية الواحدة لتحقيق شيء واحد فقط: وهو اختراق جهازه العصبي، ضخ الدوبامين، وتشكيل وعيه بصمت ليكون مستهلكاً مثالياً، مدمناً، ومستلباً بلا إرادة.
ثم في صباح اليوم التالي، نُرسل هذا الطفل الذي تعرضّ لأشرس غسيل دماغ رقمي إلى المدرسة، معتقدين أننا نحصّنه بالتعليم! ؛ لكن هذه المنظومة التعليمية التي يُفترض بها أن تكون الحصن الأخير المتبقي لتشكيل وعي أبنائنا، وبناء هويتهم، والمسؤولة المباشرة عن صياغة إدراكهم للواقع، تُخترق اليوم بصمت، ولعل أكثر من يسهّل هذا الاختراق هو نحن، حين نعتقد أن تزويدهم بأحدث الأجهزة اللوحية الذكية هو غاية" التحول الرقمي".
وهنا يكمن الخلل المنطقي المرعب؛ أي في طريقة استجابتنا كمنظومة مجتمعية وتربوية لهذا الخطر.
ولنتحدث بلغة الأرقام؛ إذ تشير إحصاءات عالمية حديثة إلى أن المراهق يقضي في المتوسط نحو 7 ساعات يومياً ملتصقاً بالشاشات لأغراض ترفيهية بحتة.
بينما أظهرت دراسة شهيرة لجامعة" معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)"، أن الأخبار الكاذبة والمحتوى المضلل ينتشران أسرع بـ 6 مرات من الحقيقة عبر المنصات الرقمية.
وبهذا إذن نكون أمام طوفان من التضليل الممنهج.
وحينما قررت المؤسسات التربوية عالمياً وعربياً مواجهة هذا المد، اندفعت بحماس نحو ما يسمى بـ" التحول الرقمي"؛ فاستبدلت السبورة الخشبية بالشاشة الذكية، ومنحت الطفل / الطالب جهازاً لوحياً ليحل الواجبات، وهذا إنجاز عظيم يُحسب لمدارسنا.
إلا أن هذا التحول التكنولوجي، وعلى بالغ أهميته وحتميته، لا يكفي وحده ليكون الحل.
بل وعلى عكس ما يبدو؛ فإن تعريض الطالب لهذا الانفتاح التقني الشامل دون تزويده بأدوات وقائية فعّالة، قد يفاقم المشكلة بدلاً من حلها، لأنه يضعه في عين العاصفة الرقمية مجرداً من أي سلاح فكريّ للتعامل معها.
لذلك، بدا أن هذا الاندفاع نحو الرقمنة – للأسف – يميل بكليّته إلى الجانب" التقني الاستهلاكي"؛ أي تعليم الطالب كيف يستخدم الأداة تقنياً، بينما يغيب السؤال الأكثر أهمية وخطورة: كيف يقيّم الطالب مخرجات هذه الأداة عقلياً وأخلاقياً؟
نحن في مدارسنا نبذل جهداً رائعاً في تعليم طلابنا مهارات التصفح، واستخدام التطبيقات الحديثة، والبرمجة أحياناً، لكننا نغفل عن تعليمهم مهارات تحليل ما يقرأون ويشاهدون.
فلا أحد يخبرهم كيف يكتشفون المحتوى المضلل الذي بات يزيف الواقع باحترافية مرعبة عبر أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي مثل التزييف العميق (Deepfake).
باختصار؛ نحن نبني" مستخدمين" بارعين للتكنولوجيا، لكننا لا نبني" نقاداً" قادرين على فلترة هذا المحتوى اللانهائي الذي يتسرب إلى عقولهم.
لقد أثبتت التجارب أن سياسة" المنع والمصادرة" وسحب الهواتف من أيدي الأبناء معركة خاسرة سلفاً، تماماً كما كان العزل التام فاشلاً في مواجهة الأوبئة القديمة.
وفي دولة مثل قطر، والتي تقدم اليوم نموذجاً متقدماً في جودة التعليم والبنية التحتية الرقمية، وتتبوأ مراكز ريادية في مؤشرات التنافسية؛ يتضاعف حجم هذا التحدي؛ فكلما زاد الانفتاح التقني، زادت الحاجة الماسة لحماية الهوية.
وبينما تسير الدولة بخطى واثقة نحو تحقيق أهداف" رؤية 2030" التي تضع بناء الإنسان الواعي والمتمسك بقيمه على رأس أولوياتها، نجد أنفسنا أمام تساؤل إستراتيجي: كيف نحافظ على هذه الهوية الأصيلة حين يقضي الطالب ربع يومه أمام خوارزميات تغذيه بقيم معولمة وموجهة؟
للإجابة عن هذا التساؤل المعقد، يجب أن ندرك أولاً أن الحل لن يكون بالهروب إلى الخلف أو شيطنة التقنية، ولا بالاكتفاء بتلقين الطلاب مهارات الحاسوب التقليدية، فالحل الحقيقي يكمن في تبني مفهوم إستراتيجي شامل نطلق عليه اسم" المناعة الرقمية المعرفية".
هذه المناعة لا تعني مجرد الحجب والحماية السطحية، بل تعني" هندسة عقل الطالب" ليكوّن هو جهاز الفلترة الخاص به؛ إنها تزوده بالقدرة النقدية التي تفكك المحتوى وتحلله قبل أن تستهلكه.
وهنا، لنا في النماذج العالمية المتقدمة أسوة حسنة؛ فدولة مثل فنلندا - مثلاً- تصدّرت دول أوروبا في" مؤشر محو الأمية الإعلامية" لسنوات متتالية، ذلك أنها أدركت ومبكراً أن ساحة المعركة الحقيقية هي" الوعي"؛ فقامت بإدراج مهارات" التربية الإعلامية واكتشاف الأخبار الكاذبة" ضمن بنيتها التعليمية ابتداءً من المرحلة الابتدائية، محولةً بذلك التهديد الرقمي إلى ميزة تنافسية لأجيالها.
صحيح أن إدراج مادة دراسية مستقلة للتربية الإعلامية قد يكون حلاً منطقياً وضرورياً في كثير من الأحيان، إلا أننا لا نتحدث هنا عن مجرد منهج إضافي قد يثقل كاهل المنظومة، بل نتحدث بالأساس عن" أسلوب حياة" وممارسة يومية داخل الغرفة الصفية.
نريد أن يكون الطالب قادراً بالفطرة على التوقف للحظة أمام صورة مبهرة صنعها الذكاء الاصطناعي ليسأل: من صنعها؟ ولماذا؟ وما الرسالة المبطنة فيها؟ أو أن يمتلك الوعي الكافي لتحليل إعلان تجاري أو سياسي قفز فجأة أمامه أثناء مشاهدته لمقطع تعليمي أو ترفيهي على (يوتيوب)؛ إعلان لم يختره، بل فرضته عليه الخوارزميات بدقة للتلاعب في رغباته.
نعم، نحن نتحدث هنا عن خط الدفاع الأول والأهم، وهو بطبيعة الحال ليس" المنهج الدراسي" كما يظن الكثيرون، بل" المعلم"؛ فتمكين الكوادر التعليمية، والأخصائيين الاجتماعيين، من أدوات" التربية الإعلامية الرقمية"، وتدريبهم على تصميم أنشطة صفية دقيقة (Micro-activities) لتفكيك المحتوى الرقمي أمام الطلاب، هو الاستثمار الحقيقي في الحقيقة، لا في الضجيج، وهو الذي سيوصل أجيالنا إلى المستوى المنشود من الوعي النقدي.
إذاً لماذا كل ذلك؟ هذا لأن المنظومة التعليمية، وهي المهنة التي يقع على عاتقها صناعة الأجيال، تستحق أن تُدعم للعبور من مرحلة الاستخدام التقني إلى مرحلة السيادة الرقمية، فقد حان الوقت لتسليح معلمينا بأدوات" المناعة المعرفية"، لنخرج جيلاً يقود الآلة، بدلاً من أن تقوده وتُهندس عقله في غفلة منا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك