بينما تتنافس منتخبات العالم على أكبر مسرح كروي في مونديال 2026، تواصل الهند متابعة الحدث من المدرجات البعيدة، في مفارقة تبدو عصية على التفسير للوهلة الأولى.
فالدولة الأكثر تعدادًا للسكان على وجه الأرض، بأكثر من 1.
4 مليار نسمة، لم تنجح حتى الآن في حجز مقعد بين نخبة كرة القدم العالمية.
وأعاد هذا الغياب المتكرر إلى الواجهة سؤالًا قديمًا يتجدد مع كل نسخة من كأس العالم: كيف تعجز دولة بهذا الحجم البشري الهائل عن إنتاج منتخب قادر على بلوغ البطولة التي تنجح في الوصول إليها دول أصغر مساحة وسكانًا وإمكانات؟داخل الهند نفسها، تصبح المفارقة أكثر وضوحًا، ففي ولايات مثل كيرالا والبنغال الغربية وغوا، تتحول كأس العالم إلى احتفال شعبي واسع، وتغطي صور ليونيل ميسي وكريستيانو رونالدو الشوارع والمقاهي، فيما يحظى نجوم الكرة العالمية بمتابعة تفوق أحيانًا نجوم الرياضة المحلية.
لكن هذا الشغف الجماهيري لا ينعكس على أداء المنتخب الهندي، الذي بقي طوال تاريخه خارج دائرة المنافسة الحقيقية على التأهل إلى المونديال.
وفي محاولة لفهم هذه الفجوة، تناول تقرير مطول لهيئة الإذاعة البريطانية" بي بي سي" الأسباب الكامنة وراء استمرار غياب منتخب" النمور الزرقاء" عن البطولة العالمية.
ونقل التقرير عن صحافيين هنود، أن كثيرًا من زملائهم في المراكز الإعلامية الدولية يبدون دهشتهم عندما يعلمون أن الهند تمتلك منتخبًا لكرة القدم أصلًا، إذ لا تزال صورة البلاد الرياضية في الخارج مرتبطة بشكل شبه كامل بلعبة الكريكيت.
ورغم قتامة المشهد، لا يزال بعض نجوم الكرة الهندية السابقين يتمسكون بالأمل.
ويرى القائد الأسبق للمنتخب بايتشونغ بوتيا أن التأهل إلى كأس العالم ليس مستحيلًا، خصوصًا بعد زيادة عدد المقاعد المخصصة لقارة آسيا في النسخة الموسعة من البطولة.
لكن بوتيا يؤكد أن العقبة الحقيقية لا تتمثل في نقص المواهب، بل في غياب منظومة تطوير متكاملة تبدأ من القاعدة الشعبية وتمتد عبر خطة طويلة الأمد لصناعة اللاعبين.
ويذهب اللاعب الدولي السابق شيام ثابا في الاتجاه ذاته، معتبرًا أن كرة القدم الهندية تحتاج إلى جذب أعداد أكبر من الأطفال إلى الملاعب، في وقت تواصل فيه لعبة الكريكيت استقطاب العائلات والرياضيين الشباب بفضل العوائد المالية الضخمة التي يوفرها الدوري الهندي الممتاز.
جسّد مشوار الهند في تصفيات كأس العالم الأخيرة حجم الأزمة التي يعيشها المنتخب، فرغم بداية واعدة بالفوز على الكويت خارج الديار، وهو أول انتصار هندي في التصفيات المونديالية منذ أكثر من 20 عامًا، فإن النتائج سرعان ما تراجعت.
فقد مُنِيَت الهند بخسارة أمام قطر، وتعثرت أمام أفغانستان، ثم خرجت بشكل مؤلم بعد السقوط أمام قطر مجددًا في يونيو/ حزيران 2024، لتتبدد الآمال في مشهد رأى فيه كثير من المحللين نتيجة طبيعية لمشكلات فنية وإدارية تراكمت على مدى سنوات.
وترى صحيفة" إنديان إكسبريس" أن الأزمة أعمق من مجرد نتائج أو أخطاء تحكيمية.
وأكدت الصحيفة أن الهند، التي يصفها بعض مسؤولي الاتحاد الدولي لكرة القدم بـ" العملاق النائم"، لا تعاني من نقص الموارد البشرية أو ضعف الشغف الجماهيري، بل من قصور في البنية التحتية، وغياب دوري محلي قادر على صناعة المنافسة، وضعف البيئة الكروية التي تسمح للمواهب بالتطور والاستمرار.
وتستشهد الصحيفة بمقارنة لافتة مع الرأس الأخضر، الدولة الصغيرة التي نجحت في التأهل إلى كأس العالم رغم محدودية عدد سكانها وإمكاناتها، بينما أخفقت الهند حتى في بلوغ كأس آسيا.
النجاح الكروي لا يرتبط تلقائيًا بعدد السكانتكشف هذه المقارنة أن النجاح الكروي لا يرتبط تلقائيًا بعدد السكان، بل بمدى قدرة الدولة على اكتشاف المواهب وتطويرها.
كما أن الأرقام تعزز هذه الفرضية.
فوفق دراسة أعدها ريتشارد هود، المسؤول السابق عن تطوير الشباب في الاتحاد الهندي لكرة القدم، فإن أكثر من 80% من دقائق اللعب الاحترافية خلال السنوات الأخيرة خرجت من مناطق تمثل أقل من عُشر سكان البلاد.
كما أن 41.
4% من هذه الدقائق جاءت من ثلاث ولايات فقط، هي: مانيبور، ميزورام، وغوا، ما يعكس ضيق القاعدة الكروية مقارنة بالحجم السكاني الهائل للهند.
وقبل انطلاق التصفيات، حذرت" إنديان إكسبريس" من أن زيادة المقاعد الآسيوية لا تعني بالضرورة اقتراب الهند من كأس العالم، لأن الفجوة الفنية والتنظيمية لا تزال واسعة.
وتبدأ هذه الفجوة من إدارة اللعبة وتطوير الفئات السنية، مرورًا بالأكاديميات وشبكات اكتشاف المواهب، وصولًا إلى المنافسة الشرسة مع الكريكيت على الاهتمام والاستثمارات.
ما سبب غياب الهند عن كأس العالم؟ربما تعكس وثيقة" رؤية 2047" التي أصدرها الاتحاد الهندي لكرة القدم في يناير/ كانون الثاني 2023 إدراكًا رسميًا لهذه التحديات.
فالخطة تستهدف وضع الهند بين أفضل أربعة منتخبات آسيوية بحلول 2047، لكنها تكشف في الوقت نفسه حجم العمل المطلوب، إذ لا يتجاوز عدد اللاعبين المسجلين رسميًا 146 ألف لاعب، مقابل 35 ألف لاعب فقط في برامج القاعدة الشعبية، إلى جانب محدودية الأندية والمدربين والبنية التحتية.
لهذا، لا يبدو غياب الهند عن كأس العالم نتيجة لغز كروي بقدر ما هو انعكاس طبيعي لفجوة طويلة بين الإمكانات النظرية والواقع العملي.
فامتلاك أكثر من مليار نسمة لا يكفي وحده لصناعة منتخب عالمي، ما لم يتحول هذا العدد الهائل إلى مشروع كروي منظم يمتد من ملاعب الأحياء إلى المنتخب الوطني.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك