نشرت وسائل إعلام عربية وأجنبية عديدة، منها «بلومبرغ» و»سي إن إن» وقناتا «الجزيرة» و»العربية»، نسخا من مذكرة التفاهم بين أمريكا وإيران، لكن «البيت الأبيض» رفض التعليق على المسودة المنشورة، فيما قالت وكالة أنباء «تسنيم» الإيرانية إنها «غير دقيقة»، ما يعني أن الصياغة النهائية قد تختلف عند التوقيع الرسمي على المذكرة يوم غد الجمعة، والذي سيفتح الباب أمام فترة زمنية مدتها 60 يوما للتفاوض على الشروط النهائية للاتفاق (قابلة للتمديد).
تتفق المعلومات، مع ذلك، على تقديم الاتفاق تنازلات كبيرة لإيران، فحسب البنود المنشورة منه ستفكّ الولايات المتحدة الحصار عن الجمهورية الإسلامية، وسترفع «جميع أنواع العقوبات المفروضة» عليها، وستقوم بتسليم أصول مجمدة بالمليارات، كما سينشأ صندوق تنمية بقيمة 300 مليار دولار، وسينسحب اتفاق وقف إطلاق النار على لبنان.
في المقابل ستقوم إيران بفتح مضيق هرمز أمام السفن التجارية، وإزالة الألغام والعوائق، والإيفاء بالتزاماتها المتعلقة ببرنامجها النووي في جولات تفاوضية لاحقة.
في الأيام الأخيرة الحاسمة نحو الاتفاق، وفي محاولة جديدة لتقويضه، أمر نتنياهو بقصف الضاحية الجنوبية لبيروت وتابع الغارات وإنذارات الإخلاء التي شملت 30 بلدة وقرية لبنانية، في تكرار للقرار الذي تسبّب قبلها بفترة قصيرة بجولة قتال بين إيران وإسرائيل، شاركت فيه الولايات المتحدة مضطرة، وعزّزت احتمالات انهيار المفاوضات.
كانت هذه «القشة التي قصمت ظهر البعير»، فقد دفعت حركة التخريب المقصودة كبار المسؤولين الإيرانيين للتشدد في ضرورة شمول وقف إطلاق النار «كل الجبهات»، وعلى رأسها لبنان، ومع وصول الاتفاق لجدار، تغلّبت غريزة ترامب لحماية بلاده، ووقف نزيف الاقتصاد العالمي، والتوقف عن تورّط في حرب قد تطول سنوات، ووافق على الشروط التي قرأناها في المسودة.
وقع إعلان ترامب المفاجئ عن الاتفاق، كالصاعقة على حليفه رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، وتكلّل هذا الإعلان بأشكال من الإذلال المباشر، وغير المباشر فقد رفضت الولايات المتحدة طلبا تقدمت به إسرائيل للاطلاع على مذكرة التفاهم، حسبما ذكرت القناة 12 الإسرائيلية، وهو أمر غير مسبوق، لكنه مفهوم بعد الأخبار التي تكشّفت عن تجسس إسرائيل على كبار المسؤولين الأمريكيين العاملين على هذا الملف.
وقد كشفت وسائل إعلام إسرائيلية أخرى عن الاتصال الأخير بين ترامب ونتنياهو قبل الاتفاق، الذي طلب فيه الرئيس الأمريكي وقف إطلاق النار في لبنان استجابة لطلب إيران، وأن نتنياهو رفض ذلك.
رد ترامب على رفض إسرائيل الامتثال لطلبه بتصريحات متتالية عن أن نتنياهو «رجل صعب للغاية»، وأن عليه أن يكون ممتنا للاتفاق «لأنه لو كانت إيران تملك سلاحا نوويا لما بقيت إسرائيل موجودة لمدة ساعتين»، كما تحدث بعدها عدة مرات قال في أحدها، إن نتنياهو يقتل الكثير من المدنيين ويهدم المباني في لبنان.
كانت هذه كلها إشارات إلى غضب متزايد من تحدي نتنياهو لمصالح أمريكا.
أقنع نتنياهو ترامب بخوض حرب لإسقاط النظام الإيراني، و»تغيير الشرق الأوسط»، وبشّر جمهوره بتحول إسرائيل إلى «قوة عظمى» تقود محورا من الهند حتى افريقيا، وبعد النشوة الكبرى التي انتابته بتنفيذ ترامب لخطته التي روّج لها عقودا، انتهت الأمور ليس باستمرار النظام الإيراني فحسب، بل باتفاق يرفع العقوبات عنه، ويثبت نفوذه على لبنان والإقليم، ويؤسس صندوق تنمية كبير لإعادة إعماره، ومع ظهور بوادر هذه التداعيات للاتفاق الأمريكي ـ الإيراني ارتفعت حدة الانتقادات الإعلامية الإسرائيلية لنتنياهو، فاعتبرته «مهندس الفشل» وأشارت إلى إذلاله على يد ترامب، وأصبح الملك غير المتوّج لإسرائيل «البطة العرجاء» الذي يرجّح سقوطه في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة.
وقد اعتبرت مقالة رأي في مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية، أن ما يحصل حاليا يتجاوز الصدع بين المسؤولين الكبيرين وأنه يؤشر إلى «نهاية التحالف الأمريكي – الإسرائيلي»، وأنه عندما يغادر نتنياهو المشهد السياسي سيترك إسرائيل في وضع أسوأ.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك