ليست حوارات تقليدية، ولا سعياً من أجل فضح الإخوان، لقد نالوا من المجتمع ما يستحقونه جراء ما فعلوه فى المصريين، ليس فى أعقاب «30 يونيو» فحسب، لكن على مدار تاريخهم، منذ تبنَّوا العمل السرى وأعلنوا ولاءهم لغير مصر والمصريين وقادوا حركات وثورات هدفها تمكين قوى أخرى من أرض مصر، حين عرَّضوا الدين للتزييف، والحاضر للضياع والمستقبل للخطر، وحين صار للأمان مقابل «اتركونا نحكم نترككم على قيد الحياة».
اليوم وبعد تلاشى آثارهم من قلوب المصريين، وانكشاف حيلهم وخداعهم، واليقظة التى صارت لزاماً على المصريين وهم يتعقبون الأزمات ويرون الإخوان على مرمى البصر منها، يظل الخطر يهدد أجيالاً لا تعلم عن تاريخ الإخوان شيئاً، لم يرووا مصر قبل 15 عاماً، ولا يعلمون عن «30 يونيو» سوى أنها ثورة شعب، ولا يروى لهم أحد كوابيس الإخوان والأخونة، ولا إرهابهم الذى هدد المصريين لسنوات وهم على أرضها بكافة فصائلهم، ولا إرهابهم الذى ما زال يهدد المصريين من خلال إعلامهم وصفحاتهم ومنصاتهم وغيرها من تكنولوجيا تحيط بالمصريين من كل جانب.
هنا.
نظرة على البعض، ممن استنشقوا الهواء الطلق، غادروا القبور بعد سنوات، دفنوا بغير كفن، لم يقرأ أحد لهم «الفاتحة»، دخلوا القبر بإرادة مطلقة، وهربوا منه بالإرادة نفسها، لكن فى المنتصف كانت رحلة كتلك التى خاضها د.
مصطفى محمود، رحلة من الشك إلى اليقين، من العدم إلى الوجود، فكيف سقط كل منهم، وكيف نجا؟
كيف تورط وندم؟ ، كيف ذهب وعاد؟
والأهم لماذا عاد وكيف سيكفّر عن سنوات الضياع؟فى ذكرى «30 يونيو»، ترصد «الوطن» شهادات على التنظيم من قلبه، اختصرت لظروف المساحة، بين الكلمات المكتوبة عشرات الكلمات والعبارات المفهومة، وفى كل تجربة تجارب كثيرة.
لا تستدعى سوى الانتباه، فالخطر ما زال قائماً لكنه «تحت السيطرة».
يشم أحمد حميدة العائد من صفوف تغييب الإخوان رائحة الجماعة فى كثير من الأزمات، وخاصة المتعلقة بالأسعار، ويميز التعليقات التى تخرج من لجانهم الإلكترونية وسيرفراتهم، هى جزء من نهجهم إثارة الفتنة للعودة مجدداً إلى المجتمع والسيطرة على «التنفيس» فيه، يمارسون الآن ما أسماه حميدة بـ«الانتشار الصامت» فى محاولة لاصطياد أجيال جديدة لا تعلم شيئاً عن تاريخهم، من خلال صفحات تروج أفكاراً مجتمعية، مثل مساعدة الغير وجبر الخواطر ودعم الإنسان على تخطى المحن، كلها مسارات مفتوحة وعادية ومكررة تجذب جيل z بل وجيل ألفا أيضاً، لا يتحدثون فى الدين، فهذا الجيل لن ينجذب للاعتكاف ولا نصرة الإسلام ولا نصرة الرسول، كونها موضوعات قديمة لا تناسب تفكيرهم العملى، يستطيع حميدة فرز هذه الصفحات والحسابات بسهولة، من فرط خبرته بالإخوان وطرقهم، يكشفهم من التفاعل الكبير والأعمى، وتكرار الأفكار بين الصفحات، بل إن كثيراً من الفيديوهات التى تنشر على الحسابات لمواقف تبدو إنسانية قد تكون مدبرة أو مصنوعة من قبلهم، يبدأ الأمر بالتعاطف والتفاعل مع ما هو إنسانى، ثم مواقف تعكس الظلم والاستبداد والتفرقة بين المجتمعات، حتى يجد الشاب نفسه فى تواصل مباشر مع أشخاص من عينة أنس حبيب كمثال.
وبحسب حميدة فإن مهمة الإخوان رغم التكنولوجيا وسهولة الخداع والاختراق والوصول لكنها ما زالت صعبة، بعد أن لفظهم المجتمع المصرى وكشفهم عدد كبير من أعضاء التنظيم نفسه وتبرؤهم منه، لكن هذا لا ينفى أن المحاولات مستمرة وأن الحرب لم تنته، يحاول جاهداً أن يكون فيما بقى له من عمر صوت يكفر عن كل ما اقترفه من جرائم، وأولاها وأهمها «جريمة الانتماء للإخوان».
عامان قضاهما حميدة خارج السجن، لا هم له سوى محاولة تعرية التنظيم، سواء بشكل الجديد فى الخارج أو المتبقى منه فى مصر، لتوضيح خطرهم على الدولة والدين، بخلاف محاولاته مع من جندهم فى صفوف الإخوان، لإنقاذهم من براثن التنظيم الذى كان جزءاً منه، يحاول أن يقدم الدليل على أنه أصبح إنساناً جديداً، يعوض كل ما فاته وهو فى ظلمة قبور الإخوان، يعيش الحياة طبيعية لا يفكر فى التصرف قبل اتخاذه، لا يضع فى حسبانه سيفيد التنظيم أم يضره، يفكر فى مصلحته كإنسان وحدوده التى لا مساس بها «الدين والدولة»، يتوسع فى علاقاته ويعيد تشكيلها بما يناسب الإنسان الجديد الذى ولد داخله خلال 9 سنوات، منذ إعلان خروجه من التنظيم وحتى خروجه من السجن وعودته تدريجياً للحياة، يكفى أن رأيه أصبح من «دماغه» وأن قراره أصبح قراره، لا يعود فيه لأحد ولا ينتظر التكليف من أحد، يسمع ويناقش ويرفض ويوافق، حر نفسه بحسب وصفه، وليس عبداً ولا فرداً فى قطيع ليس عليه سوى «التكبير والتهليل».
ما سار على حميدة سار أيضاً على زوجته، كانت أول من ضمها للتنظيم، رغم تحفظها ورفضها المبدأ، لكنه وباعترافه استخدم كل سبل الضغط العاطفى والابتزاز معها، ليتحول الرفض إلى إقبال، وتحصل على البيعة ويصبح لها دور مهم فى تجنيد الأخوات والاعتماد عليها فى الانتخابات، وخاصة إدارة الدعاية وحملات طرق الأبواب التى كانت تتولاها.
ورغم هذا الإقبال، فإنه ومع إعلانه التبرؤ من هذا الفكر، لم تتوان ولو لحظة عن اللحاق به بالقوة نفسها التى التحقت بها.
حال الأبناء يختلف كلياً عن حال الزوجة، قد يجند العضو زوجته، لكن أبناءه هم إخوان دوناً عن إرادتهم، فهو انتماء يشبه الديانة، ولا يترك الإخوانى الحق ابنه لأى تيار آخر، سواء سلفية أو صوفية أو غيرهما، بحسب حميدة الذى كانت محنة السجن له فرصة لأبنائه الذين قرروا السير على خطاه واختيار طريقهم بالهروب من طريق الإخوان والتخلص من عبء التنظيم والانتماء له.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك