على الضفة الفرنسية لبحيرة جنيف، وفى حضن جبال الألب المكسوة بالخضرة والثلوج، تقف مدينة إيفيان وكأنها قصيدة طويلة كتبتها الطبيعة بحبر الماء والضوء.
مدينة صغيرة فى مساحتها وعدد سكانها، لكنها كبيرة فى رمزيتها وحضورها العالمى.
هنا لا يعلو صخب المدن الكبرى، ولا ترتفع ناطحات السحاب، بل تنساب الحياة فى هدوء ملكى جعل من إيفيان واحدة من أكثر المدن تميزاً فى أوروبا.
بدأت الحكاية من بئر ماء.
ففى أواخر القرن الثامن عشر، ذاع صيت الينابيع الطبيعية التى تنبع من أعماق جبال الألب، بعدما قيل إن مياهها ساعدت أحد النبلاء على الشفاء من مرض مزمن.
ومنذ ذلك الوقت، تحوَّلت إيفيان من قرية هادئة للصيادين والمزارعين إلى مقصد للنبلاء والأثرياء والباحثين عن الاستشفاء والاستجمام.
ثم جاءت مرحلة جديدة عندما أصبحت مياه «إيفيان» علامة عالمية، لتخرج من حدود المدينة الصغيرة إلى موائد الناس فى مختلف قارات العالم.
لكن المدن العظيمة لا تعيش على شهرة منتجاتها وحدها، بل تصنع لنفسها مكاناً فى التاريخ.
وإيفيان فعلت ذلك بامتياز.
ففى عام 1938 استضافت مؤتمراً دولياً لبحث أزمة اللاجئين اليهود الفارين من أوروبا، وفى عام 1962 شهدت توقيع اتفاقيات إيفيان التى أنهت واحدة من أعنف حروب التحرر الوطنى فى القرن العشرين، وهى الحرب الجزائرية، لتتحول المدينة إلى شاهد على لحظات فاصلة فى التاريخ الإنسانى والسياسى.
واليوم، تكتب إيفيان فصلاً جديداً من سيرتها الاستثنائية باستضافتها قمة مجموعة السبع.
هنا، حيث كانت النخبة الأوروبية تأتى للاستشفاء بمياه الجبال، تأتى اليوم نخبة العالم السياسى والاقتصادى للبحث عن وصفات علاج لأزمات أكثر تعقيداً.
لم تعد القضية مجرد مياه نقية تتدفق من باطن الأرض، بل أفكار وقرارات وإستراتيجيات تتعلق بمستقبل الاقتصاد العالمى، والذكاء الاصطناعى، وأمن الطاقة، والتغير المناخى، والحروب والصراعات التى تعصف بالعالم.
فى إيفيان تتجسد مفارقة مدهشة؛ مدينة نشأت حول بئر ماء، ثم أصبحت بيتاً للنبلاء، وها هى الآن تتحول إلى غرفة عمليات كبرى يناقش فيها قادة العالم خرائط النفوذ وموازين القوى وتحديات المستقبل.
وكأن القدر أراد لهذه المدينة أن تنتقل من صناعة المياه المعدنية إلى صناعة اللحظات التاريخية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك