في خطوة تحمل رمزية جيوستراتيجية، أعادت وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون)، أول من أمس الثلاثاء، التسمية الأصلية للقيادة العسكرية الأميركية في المحيطين الهادئ والهندي، وهي القيادة الأميركية في الهادئ (يو أس باكوم)، الاسم الذي ظلّ متداولاً لعقود قبل أن يغيّره الرئيس دونالد ترامب عام 2018، خلال ولايته الأولى، للقيادة في الهادئ والهندي (يو أس إندو باكوم)، حين كانت الحرب التجارية في أوجها بين الولايات المتحدة والصين.
ورغم أن العديد من القراءات الأولية، قلّلت أمس الأربعاء من أهمية التعديل على المستوى العملي، إلا أن التسمية وتوقيتها، لهما من دون شكّ دلالاتهما وفق قراءات أخرى، حتى ولو كانت رمزية، بعد الحرب على إيران ووضع القوات المسلحة الأميركية ورغبتها بالتهدئة في منطقة الهادئ والهندي.
كما أن استعادة التسمية الأصلية، قد تحمل إعادة تعريف للاهتمام الاستراتيجي الأميركي في المنطقة، في ما قد يفهم بأنه تخلٍ أميركي عن دعم عسكري قوي للهند، ما يفتح المجالات على تساؤلات بشأن طبيعة الرسائل الأميركية الموجهة من الخطوة، ليس فقط إلى بكين، بل إلى نيودلهي.
قال البنتاغون إن إعادة التسمية لن تغيّر منطقة عمليات القيادةعودة" القيادة الأميركية في الهادئ"وأعاد البنتاغون أول من أمس تسمية انتشار قواته بين الجزء الغربي من الهندي والساحل الأميركي المطل على الهادئ، باسم" القيادة العسكرية في الهادئ"، بعدما ظلّت منذ 2018، تحمل اسم" القيادة العسكرية الأميركية في منطقة المحيطين الهادئ والهندي".
وأكدت وزارة الحرب أن إعادة التسمية لن تغيّر منطقة عمليات القيادة، كما لن تغيّر" مهمتها الأساسية، والتزامها الدائم بالحفاظ على مسرح عمليات حرّ ومفتوح إلى جانب حلفائها وشركائها الإقليميين".
وبحسب الوزارة، فإن تغيير الاسم" يكّرم الجذور التاريخية العميقة للقيادة، ويعزّز شعوراً بالفخر والروح الجماعية بين كل من يخدم في منطقة الهادئ".
وكان الرئيس الأميركي الراحل هاري ترومان قد أسّس القيادة العسكرية المركزية في منطقة الهادئ، بعد الحرب العالمية الثانية، وظلّت هذه القيادة تعمل بهذا الاسم من يناير/كانون الثاني 1947 حتى عام 2018، بوصفها واحدة من أقدم القيادات العسكرية الأميركية وأكبرها، إلى أن عدّلت إدارة ترامب الأولى اسمها (في عهد وزير الدفاع الأسبق جايمس ماتيس)، مع منح منطقة المحيط الهندي أهمية إضافية في التفكير الاستراتيجي العسكري الأميركي، كما جاء تغيير الاسم حينها، من ضمن جهود أميركية متزايدة لمواجهة نفوذ الصين المتصاعد في المنطقة.
وفي ذلك الوقت، قال ماتيس، في حفل تدشين الاسم الجديد، في مايو/أيار 2018: " إنها فرقتنا المقاتلة (في القيادة)، التي تقف شاهدة ومنخرطة بقوة مع حوالي نصف سطح الأرض وشعوبها المتنوعة، من هوليوود إلى بوليوود، ومن الدببة القطبية، إلى طيور البطريك".
ورأت صحيفة" ذا جابان تايمز"، أمس الأربعاء، إن التغيير الذي طرأ في 2018 على اسم القيادة الأميركية في الهادئ اعتبر في ذلك الوقت إشارة اهتمام بالهند المعروف أنها تقف في معسكر عدم الانحياز، مع بروزها المتنامي داخل العقيدة الأمنية الأميركية، بالتوازي مع تلقف الولايات المتحدة لاستراتيجية اليابان لـ" منطقة آسيوية حرّة ومفتوحة"، ومجموعة" كواد".
وتضم مجموعة" كواد"، المعروفة باسم" الرباعية"، كلا من الولايات المتحدة والهند واليابان وأستراليا، وتُعد من أبرز التكتلات الأمنية والسياسية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
وتأتي الخطوة الجديدة، بإعادة الاسم ليقتصر على منطقة عمليات الهادئ، وسط اعتقاد بأن إدارة ترامب تعمل في المنطقة على توزيع المهام العسكرية، وإلقاء عبء عسكري على الحلفاء، من بينهم الهند، التي قد تتحمل مسؤولية أكبر، في حماية منطقة المحيط الهندي.
علماً أن الولايات المتحدة والهند وأستراليا واليابان التي تشكّل معاً مجموعة" كواد" (التحالف الأمني الرباعي)، أعلنت أواخر شهر مايو الماضي، عن تعاون جديد في ما بينها في مجالي الأمن البحري والمعادن الحيوية، في خطوة لإعادة إحياء الشراكة بينها، وذلك في أعقاب الخلافات حول حرب في إيران، فضلاً عن شكوك إزاء مدى التزام الولايات المتحدة تجاه حلفائها التقليديين.
وبناء على ذلك، عقد اجتماع لـ" كواد" في العاصمة الهندية نيودلهي، مباشرة بعد زيارة ترامب إلى الصين التي استمرت بين 13 مايو و15 منه، وحصل فيها ترامب على استقبال لافت في بكين، وأكّدت أن أجواء تهدئة أرسيت بين الخصمين الاقتصاديين العملاقين.
وبحسب موقع" فيرست بوست"، ومقرّه الهند، فإن خطوة إعادة اسم" القيادة الأميركية في الهادئ" قد تكون رسالة من ترامب بشأن رغبته في تخفيف الضغط العسكري عن الصين، التي اعتبرها في ولايته الأولى منافساً استراتيجياً يجب احتواؤه على جبهات عدة، ما جعله يركّز على المكون" الهندي" في تسمية القيادة المركزية بالمنطقة، وحيث أصبح مفهوم الهادئ والهندي، أحد أعمدة الاستراتيجية الأميركية لمواجهة نفوذ الصين المتصاعد، وسلوكها العدواني بحسب خصومها.
ولكن بحسب الموقع، فإن الولاية الثانية لترامب، شهدت مقاربة مختلفة تجاه بكين، يميّزها التركيز على البراغماتية الاقتصادية والدبلوماسية الشخصية بين ترامب ونظيره الصيني شين جين بينغ.
ورأى الموقع أن إعادة التسمية قد تخلق حالة من عدم اليقين لدى تايوان واليابان، مذكراً بأن ترامب لم يوافق بعد على بيع حزمة أسلحة جديدة لتايوان بقيمة 14 مليار دولار (علماً أن إدارته وافقت في ديسمبر/كانون الأول الماضي، على حزمة مبيعات أسلحة لتايوان بقيمة 11 مليار دولار هي الأكبر على الإطلاق)، وأكد في تصريحاته أن بلاده لن تقطع آلاف الأميال، للمحاربة من أجل الجزيرة إذا أعلنت الأخيرة استقلالها عن الصين بشكل أحادي.
وقال عن ذلك: " لا أريد أن يعلن أحد استقلاله لنضطر إلى قطع 9500 ميل من أجل خوض حرب".
وبحسب الموقع أيضاً، فإن تسمية" القيادة الأميركية في الهادئ" تعكس أن إدارة ترامب استقت دروساً من حرب إيران، بشأن ما إذا كان الجيش الأميركي قادراً على إدارة عدد كبير من الجبهات، ليبقى السؤال بالنسبة للموقع ما إذا كانت الخطوة تعكس فقدان" كواد" لأهميته أو عكس، أو ما إذا كانت الخطوة تعكس توتراً أميركياً هندياً، أو عكسه أيضاً.
إعادة التسمية القديمة توحي بأن إدارة ترامب استقت دروساً من حرب إيرانوفي هذا السياق، رأى العديد من السياسيين في الهند أن إزالة اسم" الهندية" من القيادة، تعدّ" المسمار الأخير في نعش كواد"، بحسب ما كتب النائب في البرلمان الهندي ساشي تارور على" إكس".
وكان وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث قد أعاد تسمية وزارة الدفاع الأميركية، وزارة الحرب، فور وصوله للمنصب العام الماضي.
كما أعاد لأكبر منشأة عسكرية في الولايات المتحدة، والواقعة في كارولينا الشمالية، اسمها الأصلي، " فورت براغ"، بعدما سمّتها إدارة جو بايدن في عام 2023 لفترة قصيرة باسم" فورت ليبرتي"، في مسعى لإزالة الأسماء الكونفيدرالية عن المواقع والمؤسسات الرسمية.
وتعود تسمية الموقع الأصلية إلى قرن من الزمن، تكريماً للجنرال الكونفيدرالي براكستون براغ، لكن إعادة اسم" فورت براغ" نسبه هيغسيث هذه المرة إلى الجندي رولاند براغ، الذي يعدّ أحد أبطال الجيش الأميركي في الحرب العالمية الثانية، بدلاً من القائد الكونفيدرالي براكستون براغ.
أما بالنسبة إلى القيادة الأميركية في الهادئ والهندي، فإن الوزارة اعتبرت ذلك تكريماً لتاريخ القيادة العسكرية في الهادئ، ابتداءً من" دورها المحوري في إرساء الهندسة الأمنية الإقليمية بعد الحرب العالمية الثانية، إلى تنسيق القوات المشتركة خلال الحرب الكورية وحرب فيتنام وخلال أعداد لا تحصى من العمليات الإنسانية".
(العربي الجديد، فرانس برس).

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك