ليس سياسياً أو مسؤولاً كبيراً ليُذكر حتى في غيابه، بل مجرّد مواطن فقط، والأخير في بلادنا هو كيس الملاكمة الذي يتدرّب عليه الساسة الأغرار والتجّار ومقاولو النضالات المرتجلة، وعليه في آخر الأمر أن يدفع الثمن، وعندما يموت أن يشكرهم إذا تلقّى ما تيسّر من رثاء.
ولكنّ جمال زهران، الرجل الذي كان بإمكانك أن تصادفه كل يوم، وفي أي ساعة، وهو يمشى بتثاقل بالقرب من مقهى السنترال، في وسط عمّان القديمة، المقابل لمطعم القدس، غير البعيد عن كشك أبي علي، الواقع بالقرب من حلويات حبيبة التي تحاذي البنك العربي، لم يقيّض له أن يعرف أن موته غيّر قليلاً في معادلة الرثاء القليل، والكلام البخيل، الذي يضنّ به العمّانيون على راحليهم، ذلك أننا جميعاً بدأنا بغسل أيدينا من دمك عندما علمنا بموتك، يا جمال.
عشرات بل مئات كتبوا عن جمال الذي أصبح فجأة صديقهم، والذي أسّر لهم، دون غيرهم، ببعض ما خبّأه في الصدر من وجع مكتوم، بحيث بدت مواقع التواصل الاجتماعي في عمّان بيت عزاء مفتوحاً على مدار اليوم، يسرُد فيها المعزّون سيرة الشاب العليل، المعدم تقريباً، الذي يتنقل ما بين" السنترال" ومكتبة الطليعة، حيث ثمّة كرسي في انتظاره هناك، وأصدقاء قليلون يبادلونه كلاماً صامتاً أقرب إلى الطبطبة على الكتف، لعلّه ينسى أو يشفى، وما للعليل من شفاء.
درس جمال الصحافة والإعلام في النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي الذهبية لجامعة اليرموك (شمال الأردن)، وكان واحداً من ذلك الجيل النادر في الحياة الثقافية والإعلامية الأردنية، الذي تسيّد المنابر الحكومية والمعارضة، وأبدع في غير مجال.
دخل الجامعة في عام اقتحامها الدامي والمؤلم، والذي ما زال جرحاً نازفاً في ذاكرة الأردنيين، وتخرّج فيها مع رفع الأحكام العُرفية، ولم يجد عملاً مثل عشرات من أقرانه، وعندما وجده لم يطل به المقام.
كانت عمّان، وهي حنونة وحاضنة بطبعها، باردة على جمال، وطاردة، وكنتَ تتعثّر به آنذاك حيثما ذهبت، في لياليه الطويلة التي انتهت به إلى ألمانيا مطلع التسعينيات.
ذهب إلى هناك وتزوّج فيما يقول بعض أصدقائه، وهناك كان العراق حاضراً وفلسطين دائماً وأبداً، فما الذي حدث بالضبط حتى يصبح جمال عليلاً على نحو لا شفاء منه؟ هل كان دفاعه عن فلسطين، قضيته الأم، سبباً في تلك المشاجرة مع الشبان الألمان، وفي تلقّيه ضربة على الرأس بآلة كهربائية؟ ثم ماذا حدث؟ لماذا تكرّر اعتقاله في تلك البلاد الغريبة والبعيدة؟ ولماذا حُوّل إلى مصحة علاج نفسي؟ ولماذا حُقن بإبرة في الرقبة أفقدته ما تبقى من اتزان وتوازن نفسي وعصبي، ما جعله يمشي محنياً، متمهلاً، كأنه علامة سؤال كبرى بلا إجابة أبداً في نهارات عمّان ولياليها؟أنت لا تسأل وهو لا يجيب.
يذكّرك بمقال كتبتَه في مطلع تسعينيات القرن الماضي عن غسّان كنفاني، قبل أن ينسحب على حياء إلى شؤونه، وهي الوقوف وحسب أمام مدخل" السنترال"، أو الإطلالة من شرفته على المارّة وهم يعبرون كما لو في فيلم سينمائي.
كان الجميع، بمن فيهم الحزب الشيوعي الذي أصدر بياناً في نعيه، يعرفون أن جمال في حاجة ماسّة للعلاج والمأوى الكريم، وما قلّ من مال يُقيم الأود.
كان الجميع يمرّون به يومياً وهو يموت أمام أعينهم، ولعلهم كانوا يعدّون كلمات الوداع فيشطبون كلمة هنا ويضيفون أخرى هناك كلما رأوه، لكنّ أحداً ما في كل تلك البلاد، في عمّان الحنونة والدافئة لغيره، والباردة عليه، لم يمدّ يداً لجمال، وإذا فعلوا فليدسّوا في جيب قميصه ثمن سجائره أو ساندويتشاته في ذلك النهار.
مات جمال لأن الناس تموت منذ نفي آدم إلى هذه الأرض، ولعله قُتل ودُفن قبل ذلك بكثير من السنوات.
ماتت أشياء أخرى كثيرة أيضاً يا جمال، من صمتوا على اقتحام جامعتك أصبحوا نواباً في البرلمان، وحقول القمح أصبحت تُحرق في الشمال.
ولأزيدك كآبة، فقد ذبل الورد في شرفة رابطة الكتاب أيضاً، ودهست سيارة مسرعة قطّة صغيرة كانت تهمّ بقطع الشارع، فصرخت الأرانب في الحقول.
الناس تموت منذ وطأت قدما آدم هذه الأرض، يا جمال.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك