لم تمض سوى أيام قليلة على التراجع السريع الذي أعقب إعلان عدد من بلديات شرق طرابلس إنشاء ما سمي بــ" إقليم الوسطى" تحت ضغط ورفض اجتماعيين، حتى خرج رئيس مجلس النواب عقيلة صالح في مناسبة عزاء، الجمعة الماضي (في أجدابيا)، للحديث عما اعتبره منجزات لمجلس النواب خلال السنوات الماضية.
اللافت في حديث عقيلة تركيزه على نجاح مجلس النواب في ترسيخ مبدأ المحاصصة بين أنحاء البلاد الثلاثة (الأقاليم الثلاثة، برقة وطرابلس وفزان) في المناصب والوظائف الحكومية لضمان حقوق أنحاء البلاد وإعادة التوازن بينها، بل ويؤكد أن هذا المبدأ صار تقليداً متبعاً يجب المحافظة عليه!يصعب قبول حديث عقيلة باعتباره كلاماً عاماً، فهو نفسه أقر في بداية كلامه السياسي بأنه لا يناسب طبيعة المناسبة التي يتحدث فيها، خصوصاً أنه جاء بالتزامن مع تجدد الحديث عن الأقاليم، ووسط استمرار رفض قوى اجتماعية في مناطق شرق طرابلس فكرة" إقليم الوسطى"، على خلفية مخاوف بأنها قد تعيد إنتاج الانقسامات المناطقية وإحياء تصورات جهوية.
يبدو في مضمون حديث عقيلة في ذلك السياق الاجتماعي أنه كان يوجه رسالة سياسية متزامنة مع تزايد الحديث عن علاقة المسار الأميركي بدفع حوارات لجنة 4+4 الأممية (أربعة ممثلين عن مجلس النواب وأربعة عن المجلس الأعلى للدولة) نحو سيناريو تقاسم السلطة من دون حضور مجلس النواب طرفاً أساسياً.
فقد استند عقيلة في حديثه، إلى سردية تقوم على استحضار مظالم الأقاليم في مواجهة المركزية في غرب البلاد واحتكار أدوات النفوذ السياسي والإداري.
ووجد في إعلان" إقليم الوسطى" فرصة لتثبيت مبدأ المحاصصة الإقليمية كمرجعية سياسية حاكمة، فهو لم يقدم هذا المبدأ باعتبار الاضطرار إليه لظروف المرحلة السياسية المعقدة، وإنما باعتباره تقليداً راسخاً يجب المحافظة عليه.
يريد عقيلة، في ما يبدو، أن يبعث برسالة إلى الفاعلين المحليين والدوليين مفادها أن أي تسوية سياسية مقبلة لا يمكنها تجاوز المعادلة التي رسخها مجلس النواب خلال السنوات الماضية، وأن أي محاولة لتجاوزها يعني أنها انتقاص للمكاسب التي حققها سكان الأقاليم.
وتتعزز هذه القراءة بالنظر إلى أن عقيلة اختار أن يتحدث في محيط اجتماعي وقبلي وليس أمام جمهور سياسي، في محاولة لتجاوز عقدة الشرعية القانونية والدستورية لمجلس النواب وربطها بشرعيات اجتماعية انتخبت أعضاؤها عن دوائرهم الانتخابية.
وبمعنى آخر فهي محاولة إعادة وصل مجلس النواب بالحاضنة الاجتماعية وتصدير خطاب المحاصصة باعتباره مطلباً اجتماعياً أكثر من كونه مطلب نخبة سياسية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك