كان من نصيبي الطيب أنني اقتربت من مجلس الناقد الراحل فاروق عبد القادر (24 يناير/ كانون الثاني 1938 - 23 يونيو/ حزيران 2010"، فخدمني زماني خدمة جليلة لا ثمن لها.
كان الراحل يزهد في كل شكل من أشكال الأبهة سوى نزاهته الشخصية التي حافظ عليها حتى نهاية عمره.
كان قد صار مغرماً بالوحدة وقول كلمته ساطعةً بلا التواء أو مكر أو ظلال أو دلالات مفتوحة في انتظار التفكيك أو تعدّد الدلالات والمقاصد.
في إحدى المرّات، وقد كنت مفلساً، ولم يكن كتابي الأول" صيّاد في خصّ" قد صدر.
فجأةً وأنا في أول ميدان طلعت حرب لمحت عم فاروق، كما كنت أحبّ أن أناديه، وقد جلس جلسته المعتادة، فتذكّرت أن لدي آلة كاتبة أصلحها عند المقدّس لمعي بميدان رمسيس.
ابتسم المقدّس لمعي حينما رآني، وكنتُ قد تركت الآلة قرابة سنة أو أكثر، وكأنه أدرك بفطنته الحال.
واضحٌ أن المفلس تفضحه عيونه كالعاشق تماماً، فابتسم المقدّس لمعي ابتسامة أكثر طيبةً من الأولى، وأخرج من جيبه 80 جنيهاً ودسها في جيبي ثمناً للآلة، فأخذتُها، وفي دقائق كنت بجوار فاروق عبد القادر أحكي لأول مرّة.
كانت الأيام رخيصة، وخطواتنا أكثر اتساعاً وجنوناً من الآن، بعدما ظلّلتنا تلك الحكمة من جوانبنا كافة.
كانت أبيات الشعر تخرج سهلة من فم عم فاروق؛ مرّة عن شجاعة علي كرّم الله وجهه، ومرّة عن غيرته على فاطمة.
أما لو انطلق إلى مجالس بغداد القديمة وأهل الصنعة والكلام، فلا مجال لك سوى الإنصات حتى تنكشف لك النجوم طرية بعد الفجر، وخصوصاً لو عرّج على أهل الملل والنحل وأهل الكلام وبدايات خلافات الفرق حتى موقعة الجمل.
وفجأة يسألني: " ماذا سوف تسمّي مولودك يا أبا حيدر؟ "، فنطقت اسماً، فابتسم وقد مالت سخرية ما على جانب فمه، وذكر بيتين من الشعر.
فتأخّرت البنت محل أشعار عم فاروق وصارت ولداً، فسمّيته أدهم، فكان يسألني دائماً بروح عامرة بالود: وكيف حال السيد أدهم؟كنت مع نفسي أتعجب من هذا الأدب الجم في سؤاله عن طفل.
وبعد سنتين، أصرّ عم فاروق على شراء ذلك الكلب الجميل من شارع عبد الخالق ثروت لأدهم، فضحكت أنا في هذه المرة كفلاح ترك غيطانه توّاً وجاء للقاهرة، وقلت له: أنا لا أسكن إلا غرفة وصالة يا عم فاروق، فأين سينام الكلب؟ فابتسم وابتعدنا عن الكلب، فقال باسماً: إذن سنأكل الليلة البيتزا يا أبا حيدر.
وبدأت ليلة في علي بابا، لو أفرغتها في كتاب لصار مجلداً.
وحينما شقشق نور الصباح وخرجنا من علي بابا، رأيت اثنين من أصحاب التاكسيات وقد بدآ في العراك بسبب أيهما يفوز بركوب عم فاروق معه.
بعد ذلك، كنت ألقاه في مقهى الحرية مصادفة، وفي كل مرّة يشع فرحاً وتألقاً، ويتحدّث في تواضع عما يترجمه أو ما يخطّط لقراءته أو ما يتابعه من كتابات، كان قد وصل إلى حالة من الزهد الحقيقي في الأشياء، وحتى في السهر، وكأنه غسل يديه من كل جولاته وشقواته الليلية المعهودة.
حتى حصاد معاركه كان قد زهد فيه، وكأنه قد اكتفى ووصل إلى يقين يخصه.
كان يبتسم تلك الابتسامة المعهودة به ويقول لي: " لا عليك، يا أبا حيدر، فأحياناً تكون الظلال مع الغياب أيضاً أكثر بهاء من حضور يُشك فيه"، ينادي على الجرسون ويداعبه باسمه، ثم يحكي طويلاً من دون وصاية أو ادّعاء معرفة، يحكي لشاب ينتظر كتابه الأول، يحكي عن الاتزان الشخصي بعدما يكون الواحد قد فعل كل ما يحبّ ويرضى عنه بالكاد، ويتذكّر يحيى حقّي أو جهد نجيب محفوظ المتواصل وأدبه، وكان يحسده على ذلك الصبر.
أذكّره بالأصوات التي بدأت تسيطر بحكم نفوذها الصحافي على المجال العام، فيقول باسماً: هذا، يا حكيم، لا أستطيع أن أكمل له رواية، وإن واصلت إلى آخرها فذلك فقط كي أصحّح له الأخطاء لا غير.
ويضحك تلك الضحكة، وهو ينادي على الجرسون.
كان يتحفّظ على الموضات في الكتابة أو فرد العضلات أو النكش في التراث من دون خبرة أو معرفة حقيقية بمراميه، اللهم إلا الشكلانية الفارغة، كان فاروق يتغلغل في جماليات الكتابة التي لا تدفعها إلى الأمام تلك العكاكيز، ولو كان هذا عكّاز الأيديولوجيا.
كان يتكلم عن الكتابة وكأنه كان يتمنّى أن يكتبها أو يبحث عن معينها وينابيعها، وساعدته على هذا دراسته لعلم النفس، وظل دائماً أنيق المسعى والغرض من دون طلب أو استجداء، حتى رحل في مثل هذه الأيام.
رحل وقد غسل يديه تماماً من أي طمع، فحمّلوه، وهو في غيبوبته، جائزة لم يتقدم لها، لا باليد، ولا تمناها أبداً باللسان، ولو سرّاً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك