جسدت بطولة كأس العالم منذ انطلاقتها الأولى عام 1930 منصة كونية تتلاقى فيها الشعوب، وتذوب بين جنباتها الفوارق الثقافية لتعزيز قيم السلام، حيث تتجاوز حدود المستطيل الأخضر لتتحوّل إلى أداة حيوية للدبلوماسية الشعبية والقوة الناعمة، ما يفسر تهافت الدول على ضخ استثمارات مالية هائلة لاستضافتها، إدراكا منها بأن عوائد الحدث تتجاوز الأرباح اللحظية لتصنع مكاسب سياسية واقتصادية بعيدة المدى، تعيد تشكيل مكانتها على الخريطة الدولية، وتخلد حضورها الثقافي في وجدان العالم.
لكن تحقيق هذا الطموح لا يبدأ مع صافرة انطلاق المباراة الافتتاحية لكأس العالم، لأن ملامحه تتشكل قبل ذلك بكثير، عبر تسهيل مسارات السفر ومرونة مكاتب التأشيرات وظروف الاستقبال.
بيد أن الولايات المتحدة بدت عاجزة عن كسب هذا الرهان التنظيمي.
فالجماهير التي تشد الرحال مدفوعة بشغفها الكروي تفتش عن تجربة إنسانية خالية من التعقيدات البيروقراطية والهواجس الأمنية المبالغ فيها، فهذه القيود تحول الحدث العالمي من محفل كوني للتقارب إلى ساحة للتمييز والإقصاء.
هذا ما تجسّده بدقة هذه النسخة من المونديال، حيث ضربت الولايات المتحدة بالقواعد التنظيمية وأعراف الفيفا عرض الحائط، في إصرار واضح على تقديم الأجندات السياسات الأميركية على المشترك الإنساني لكأس العالم، لتسجل بذلك واحدة من أكثر النسخ غرابة وإثارة للجدل في تاريخ البطولة.
هكذا أضحى ترامب نجم مباراة تسييس الرياضة، حيث غابت قيم اللعب النظيف وهيمنت ازدواجية المعايير، ما وضع مبدأ الحياد السياسي لـ" فيفا" على محكّ اختبار حقيقي.
اختار ترامب أن تدخل النسخة الأميركية سجل التاريخ بقراراته، لا بإبداعات اللاعبين في الميدان، فقد أمعنت إدارته في تحويل المونديال إلى النسخة الأكثر تسييسا في تاريخ اللعبة، عبر قيود خانقة طاولت الفرق والبعثات والجماهير.
فقد تعدّى الأمر مجرّد إجراءات تنظيمية ليرسم واقعاً صادماً، يواجه فيه مواطنو أكثر من ربع الدول المشاركة شبح حظر السفر أو عراقيل التأشيرات المعقدة، ما يكشف التناقض الصارخ بين ممارسات واشنطن الإقصائية والخطاب الحالم للفيفا الذي يسوق للبطولة بوصفها أيقونة للتعددية والحرية.
تجسّدت الشواهد الصارخة لهذا التسييس في إدراج ترامب مواطني أربع دول تشارك في المونديال، ضمن قائمة الممنوعين من دخول بلاده (إيران وهايتي والسنغال وساحل العاج).
كما رفضت إدارته تأشيرات عشرات المشجّعين من رابطتين بارزتين قبيل انطلاق العرس الكروي، بداعي التشكيك في نيتهم في العودة إلى أوطانهم، في تجاهل تام لسجلات سفرهم النظيفة بحضورهم بطولتي روسيا 2018 وقطر 2022، فضلا عن أولمبياد باريس.
أسعار التذاكر سجلت قفزات غير مسبوقة في تاريخ كأس العالم، حيث تجاوزت أسعار مباريات الأدوار الأولى (الفئة الرابعة) عتبة 560 دولاراأما من ابتسم لهم القدر وأفلتوا من مقصلة القيود وحجب التأشيرات، فعناصر شرطة الهجرة والجمارك لهم بالمرصاد، فقد منعت الحكم الصومالي الدولي عمر عبد القادر عرتن، وهو صاحب جائزة أفضل حكم في أفريقيا لعام 2025 من الاتحاد الأفريقي لكرة القدم، من دخول الأراضي الأميركية عبر مطار ميامي، رغم حمله جواز سفر دبلوماسياً.
وخضع نجم المنتخب العراقي أيمن حسين للاحتجاز عدة ساعات، وأهانت بأسلوب التفتيش المنحط المدرب أفابيو كانفارو، أيقونة كرة القدم الإيطالية، بمعية منتخب أوزبكستان.
المفارقة الأشد مرارة أن هذا المشهد القاتم حدث أمام أعين رئيس" فيفا"، جياني إنفانتينو، فبدلا من القيام بمسؤولياته في الضغط على واشنطن لاحترام نظام التأشيرات المفتوحة، آثر الرجل المدفوع بصلات الصداقة مع الرئيس ترامب، التحوّل إلى محام يبرّر القرارات الأميركية، مؤكّدا أن" الأمن يعلو فوق كل شيء".
لكن الرجل أسقط من ذاكرته، عمداً أو سهواً، وعوده الحالمة مطلع فبراير/ شباط الماضي، حين تباهى بأن إجراءات الدخول ستنساب بسلاسة.
تراجع يُفهم في سياق التناغم الاقتصادي بين الرجلين؛ إذ سبق ل" ملك كرة القدم" بتعبير ترامب، أن دعم توجهات الأخير بشأن الأصول المشفرة مع طموح" فيفا" إلى إطلاق عملتها الرقمية الخاصة، في تماه صارخ مع الأجندة الأميركية.
ربما يدافع أحدهم بأن الاتحاد الدولي لكرة القدم لا تملك الصلاحية القانونية لإجبار الولايات المتحدة على تخطي قوانين الهجرة، كونها مسألة سيادية في نهاية المطاف.
لكن هذه الدفوع تتهاوى سريعاً أمام تساؤل جوهري عن قيمة التعاقدات الصريحة المتفق عليها بين" فيفا" والدولة المستضيفة إبّان منحها صك التنظيم، سيما البنود الملزمة التي تتضمّن تقديم تسهيلات حقيقة ومرونة فائقة لتسهيل دخول في دخول البعثات الرياضية وحشود المشجعين والحكام دون عوائق إلى البلد.
أثبتت إدارة ترامب أن الرياضة بالنسبة لها ليست سوى امتداد لأدوات الهيمنة وبناء الجدرانلم يتوقف الأمر عند حدود العرقلة السياسية، فقد امتدت أيادي ترامب إلى الفلسفة العميقة لكرة القدم باعتبارها لعبة الفقراء والكادحين، بعدما أحال النسخة الأميركية إلى ناد مغلق للأثرياء.
والإشارة هنا إلى أن أسعار التذاكر سجلت قفزات غير مسبوقة في تاريخ كأس العالم، حيث تجاوزت أسعار مباريات الأدوار الأولى (الفئة الرابعة) عتبة 560 دولارا، ما يعني حرمان مشجّعي المنتخبات النامية من مؤازرة فرقهم.
فضلا عن تبنّي سياسات احتكارية داخل الملاعب، بمنع الجماهير من اصطحاب مأكولاتهم أو مشروبات من الخارج، ما يعني إجبارهم على شراء مشروباتٍ تابعة للشركات الراعية بأسعار مرتفعة.
لا تعِد الأجواء المشحونة بالهواجس الأمنية بالنزر اليسير مقارنة بما شاهده العالم في مونديال قطر 2022، حيث تحوّلت تلك النسخة إلى نموذج عالمي في هدم الجوائز البيروقراطية، وتسهيل تدفق الجماهير من مختلف بقاع العالم عبر منظومة" بطاقة هيا" التي ألغت التعقيدات، وفتحت الأبواب أمام تجربة إنسانية جامعة.
نجحت تلك التجربة في تقديم رسالة تلاحم حقيقية تذوب فيها الفوارق، لتقف اليوم الإجراءات الأميركية على النقيض تماما، معيدة إنتاج الجدران الدبلوماسية وسلاسل القيود التي تحرم اللعبة الشعبية الأولى من روحها التعددية.
المشاهد السوريالية التي صبغت هذه البطولة بصبغة سياسية فجّة تضع العالم أمام تناقض صارخ للمنظومة الغربية، حيث يتآكل خطاب العولمة والانفتاح وحقوق الإنسان عند أول اختبار حقيقي على بوابات المطارات ومكاتب الهجرة.
لقد أثبتت إدارة ترامب أن الرياضة بالنسبة لها ليست سوى امتداد لأدوات الهيمنة وبناء الجدران، لتسجّل هذه النسخة في الذاكرة التاريخية ليس بجمالية الأهداف وإبداعات اللاعبين، بل بأنها المحطة التي رُهنت فيها بهجة الشعوب لحسابات النفوذ.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك