انخفضت الأسهم في بورصات الحب، متأثرةً بتضخم الليرة السورية.
أما العلاقات الاجتماعية، فباتت تخضع لسعر الدولار، وانعكاساته على تكاليف الضيافة والمواصلات وتبادل الهدايا.
أيضاً، الحالمون بافتتاح بسطات صغيرة على الرصيف، فضّلوا التريث، ريثما" يفشّ" تورّم الليرة قليلاً، إذ إن شراء بضعة أكياس من الجرابات، بات يتطلب عدة ملايين للبدء بالمشروع.
من حفلات الزواج.
إلى علاقات الحب العذري" ضرب الدولار بحيطان الـ15 ألف ليرة"، يقول الشاب" سامر"، وهو يضرب كفاً بكف، ندماً على تأجيل زواجه، الذي كان مقرراً العام الماضي.
ويضيف: " كانت الأسعار أشوا من هلق".
ويبلغ سعر الدولار الواحد، تبعاً للمصرف المركزي، 113 ليرة جديدة، أي 11.
300 ليرة قديمة، أما في" السوق السوداء" فشارف على 15 ألف، ويتساءل سامر: " لماذا هناك سوق سوداء وسوق بيضاء حتى الآن؟ متى ننتهي من هذا الفصام؟ ".
ويحسب الشباب المقبلون على الزواج، إيجارات المنازل في الشام، وتكاليف المواصلات اليومية، وثمن الخبز ومعه الحد الأدنى من أي طبخة يعدونها في المنزل بلا لحمة، فيخرجون بأرقام فلكية، لا يمكن لراتب السوري البالغ 100 دولار، اللحاق بها.
يضحك" سامر" ويقول إنه طلب من خطيبته، أن يعدلوا عن الزواج، ويكتفوا بالحب العذري، على طريقة قيس بن الملوح وليلى العامرية، وقد أقسم بأن يقرأ يومياً على مسامعها، مجموعة من قصائد الهيام والشوق، حتى لا تشعر بالملل!
هكذا يحول السوريون تراجيديا حياتهم، إلى كوميديا ساخرة سوداء، أوصلت" جورج" إلى حد اليأس، إذ يقول: " التضخم ينعكس على الجزء الأكبر من الشعب، لكن هناك فئة ناجية منه، وهم المدللون الذين تبلغ رواتبهم عدة مئات من الدولارات".
ويعترض" جورج" على مصطلح" تضخم الليرة"، ويفضل استخدام مصطلح" تلاشي الليرة"، ويقول: " بما أن الليرة لا تقدر على شراء شيء، فهذا يعني أنها تتلاشى، لا تتضخم".
لماذا تتراجع الليرة أمام الدولار؟" شيء يحط العقل بالكف"، يقول أبو محمد، صاحب بسطة متنقلة في شوارع دمشق، ويضيف: " استرجعنا حقول النفط، فارتفعت أسعار المحروقات والغاز، وسبقها ارتفاع أسعار الكهرباء والخبز وبقية المواد.
بالله عليكم اشرحوا لنا هذه الأحجية الاقتصادية التي تجعل الليرة تتراجع أمام الدولار".
يضطر أبو محمد، للانتقال ببسطته الصغيرة بين النقاط النشطة بالعابرين في شوارع دمشق، تبعاً لملاحقة دوريات المحافظة التي تصادر البضاعة، وتقول إن البسطات تشوه المشهد الحضاري للعاصمة، وتعيق مرور المشاة.
ويقول: " يا أخي، خصصوا لبسطاتنا أمكنة مستترة، بعيداً عن عيون السياح.
أما أن تصادروا بضاعتنا وتمنعونا من التقاط الرزق، فهذا ليس عدلاً على الإطلاق".
ويربط الباحثون الاقتصاديون، تراجع الليرة أمام الدولار، ببطء عملية التنمية، وارتفاع نسبة الاستيراد مقابل التصدير، وضعف الاستثمارات، لكن كل هذه الأسباب لا تبدو منطقية بالنسبة للمواطن البسيط، المقتنع بأن من واجبات الحكومة، تأمين قوت الناس وطبابتهم وعيشهم الكريم.
جميع من التقاهم موقع" تلفزيون سوريا"، أخبرونا عن أشخاص بلا كفاءات أو شهادات جامعية، يقبضون رواتب عالية، عدا عن سيارات المسؤولين الفارهة، وقيام المسؤول بتوظيف معظم أفراد العائلة، في وظائف" مهبرة"، كما يسميها أبو محمد.
ويضيف: " نقبل بالفقر، ونتحمله ونصبر عليه، لكن على الحكومة توزيع الشقاء بشكل عادل على جميع أبناء الشعب".
إيجارات المنازل.
مصيبة الفقراء الكبرىلا تقل أجرة المنزل المتواضع في أرياف دمشق، عن مليون ونصف ليرة بالشهر، أما الغرفة غير المستقلة والضيقة، فيمكن تحصيلها بأقل من مليون، تبعاً للموقع والحي.
ويلجأ أصحاب البيوت، لرفع الإيجارات تبعاً لارتفاع الدولار، ما يعني أن تضخم الليرة، يقضي مباشرة على الفئات المسحوقة، ويبرر مالكو المنازل رفع إيجارات منازلهم بالقول، إنهم يعتاشون من ورائها، فإذا ارتفعت أسعار المواد الاستهلاكية، اضطروا لرفع الإيجارات.
أما من جهة سوق بيع وشراء العقارات، فيعاني من تضخم الليرة بشكل مباشر، وغالباً ما يقرر البائع التوقف عن البيع، كذلك الشاري يصبح غير قادر على الشراء.
من يتتبع أسعار الإيجارات في جرمانا، يفاجأ بتكاليف تفوق الخيال، حيث تصل أجرة البيت العادي إلى 2 مليون ليرة، يتبعها أجرة شهر للمكتب العقاري، وأجرة شهر تأمين لصاحب البيت، إضافة لأجرة نقل العفش.
أي أن المواطن المضطر لاستئجار بيت، عليه تأمين ما يقارب 10 مليون ليرة لتنفيذ هذا القرار.
مظاهر تضخم وفقر لا ترصدها التقارير الاقتصاديةيشير تراجع الطقوس الاجتماعية في المناسبات الهامة، مثل عيد الأم وأعياد ميلاد الأطفال في العائلة، واقتصار حفلات الزواج على عائلة العروسين، إلى منعكسات يتركها التضخم في الظل، يمكن اعتمادها كمقاييس تعطينا نسبته العملية.
وتبعاً للعينات التي أخذها" تلفزيون سوريا"، من محلات بيع قوالب الكاتو والألبسة والهدايا، يؤكد أصحاب المحلات، أن حركة البيع تراجعت، بسبب ارتفاع الأسعار المرتبطة بارتفاع الدولار.
وتقول" أم مجد"، إنها طلبت من أبنائها، عدم تكبد عناء تخصيصها بهدايا عيد الأم، لأنها" تعرف البئر وغطاه"، أما صاحب أحد المحلات الشهيرة بجرمانا، فأكد أن المبيع تراجع بنسبة 50%، بسبب ارتفاع الأسعار.
وقال إن الناس تلجأ لشراء قوالب الكيك" السادة"، لأنها أقل سعراً.
الأمر نفسه، ينسحب على حفلات الزواج، إذ اضطرت شريحة كبرى، للاكتفاء بحفلة صغيرة بالمنزل، توفيراً لأجرة الصالة المرتفعة وما يتبعها من تكاليف للضيافة.
ويقول" أحمد" إن حفلة العرس أصبحت بذخاً لا داعي له، وإنه مع خطيبته اتفقا على الاحتفال مع الأهل في المنزل، مثلما كان يفعل العرسان أيام زمان، على وقع الأغنيات الشعبية والضيافة البسيطة.
ويضيف:" كل عروس تحب أن تقيم حفلة كبرى يوم زفافها، لكن الناس اليوم تتصرف حسب الإمكانات".
حالات إحباط أخرى تسبب بها الفقر، دفعت شباناً لإنهاء خطبتهم واتخاذ القرار بالسفر بحثاً عن العمل، من باب: " لا أريد توريث الفقر لأبنائي" كما يقول أحمد، في حين ألغى آخرون فكرة الزواج، جاعلين الأولوية لبناء أنفسهم اقتصادياً.
حالات اضمحلال كثيرة، تكشف تضخم الليرة، فرغم تباعد مفردتي" اضمحلال وتضخم" بالمعنى والدلالات، إلا أنهما مرتبطتان عكسياً على الأرض، ويقول أحمد: " تريدون أن تعرفوا نسبة التضخم؟ احسبوا كم قالب كاتو بيع في عيد الأم، وكم حفلة عرس أقيمت في الصالات"!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك