لا شك أن موسكو دعمت سوريا منذ عهد الاتحاد السوفياتي وبدايات حقبة الحرب الباردة، كما أن روسيا كانت من الدول السباقة التي اعترفت بالدولة السورية عام 1944، عندما كانت دمشق تسعى جاهدة للتخلص من حكم الاستعمار الفرنسي.
لكن الدعم السياسي والعسكري الروسي الأخير للنظام الأسدي المخلوع خلال فترة الثورة المجيدة جعل شرائح واسعة جداً من الشعب السوري تنظر إلى الروس على أنهم أعداء حقيقيون، اصطفوا، ووقفوا دون أي رادع أخلاقي أو إنساني إلى جانب النظام المجرم في قتل السوريين، وتدمير البلاد، وارتكاب المجازر الدامية والبشعة بحقهم.
سقوط الأسد والوجود الروسي وأهدافه الجديدةشهد الوجود العسكري الروسي في سوريا تراجعاً كبيراً خلال الفترة القريبة الماضية.
فبعد أن بلغ عدد القواعد والنقاط العسكرية الروسية المنتشرة على الأراضي السورية نحو 114 موقعاً في منتصف عام 2024، تقلص الانتشار الروسي تدريجياً عقب سقوط النظام الأسدي البائد، وما تلاه أيضاً من معارك خاضتها الدولة السورية ضد ميليشيات سوريا الديمقراطية مطلع عام 2026، والتي سيطرت خلالها الدولة السورية على كامل شرقي الفرات.
عندها أعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن الوجود العسكري الروسي في سوريا بات يقتصر فقط على قاعدتين رئيسيتين، هما: قاعدة حميميم الجوية، وقاعدة طرطوس البحرية على الساحل السوري.
عملياً، ومن خلال متابعة النشاطات الميدانية، والتحركات السياسية والدبلوماسية، والزيارات المتبادلة بين الجانبين، فإن الاستنتاجات والوقائع توحي بأن روسيا لا تتوفر لديها نوايا حقيقية للانسحاب الكامل من الجغرافيا السورية، بل على العكس تماماً، فإن كل الوقائع والدلالات تشير إلى أن موسكو تسعى جاهدة، بُعيد سقوط النظام البائد، للحفاظ على مواطئ قدم استراتيجية في سوريا، وذلك من خلال تفاهمات جديدة موسعة تجريها موسكو بشكل مستمر مع القيادة السورية الحالية.
وتسعى موسكو من خلال ذلك إلى تحويل صفة وجودها وتغييرها من التدخل المباشر في العمليات العسكرية إلى حالة تحافظ فيها على نفوذها في شرق المتوسط، واستخدام قاعدتي طرطوس وحميميم كمراكز إمداد وتموين تربط جغرافيتها وسواحلها بالساحل السوري، لخدمة أهدافها وتحقيق مصالحها في إفريقيا.
ولا سيما أن هذه القواعد تعد، من الناحية الجيوسياسية، بمثابة نقطة انطلاق حيوية للنشاطات العسكرية واللوجستية الروسية في القارة السمراء.
ناهيك عن أن موسكو ستستخدم هذه القواعد كورقة توازن استراتيجية مهمة، تحمي من خلالها مصالحها الحيوية والاستراتيجية في أي حوارات مستقبلية مع القوى الدولية الفاعلة في المنطقة والعالم، تحقيقاً لمصالحها على المستوى الجيوسياسي، ومستفيدة بالتأكيد من موقع سوريا الاستراتيجي المطل على البحر الأبيض المتوسط.
إن إعادة الهيكلة التي أعلنتها الخارجية الروسية منذ أيام، لا شك أنها تعني الانتقال من حالة الانتشار العسكري المكثف السابق، الذي شمل عشرات المواقع، إلى تمركز محدود ومؤطر ومنضبط.
موسكو وإعادة هيكلة الوجود والنفوذفي الواقع، تُجري موسكو منذ فترة مشاورات ومباحثات مع أركان الحكومة السورية لإعادة هيكلة وجودها وانتشارها العسكري في قاعدتي حميميم الجوية وطرطوس البحرية، وهو ما يهدف الجانب الروسي من خلاله إلى تثبيت نفوذه الاستراتيجي في شرقي البحر المتوسط، ولكن حتماً بما يتوافق مع مصلحة الدولة السورية ورؤيتها.
والغاية الروسية هنا، برأيي، هي تحقيق مصالحها وأهدافها الاستراتيجية بعيدة وقريبة المدى، والتكيف السريع مع تفاصيل وملامح المتغيرات السياسية والاقتصادية والعسكرية الكثيرة التي تحدث بسبب إعادة رسم خارطة التحالفات والتموضعات في المنطقة والعالم، وخاصة بعد الحرب الأمريكية الإيرانية.
وبالتالي، فإن إعادة الهيكلة التي أعلنت عنها الخارجية الروسية منذ أيام، لا شك أنها تعني الانتقال من حالة الانتشار العسكري المكثف السابق، والذي شمل عشرات المواقع، إلى تمركز محدود ومؤطر ومنضبط.
وبتصوري، فإن هذا التوجه الذي تناقشه موسكو مع دمشق الآن لا يتعدى كونه تقليصاً للتكاليف المادية والبشرية، مع الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية المتمثلة في قاعدة حميميم الجوية، والمنشأة البحرية في طرطوس، وإعادة تنظيم حجم قواتها المنتشرة في سوريا، وكل ما يتعلق بهذا الشأن من سلاح وعتاد وعدد القوات، إضافة إلى تعديل وتدقيق طبيعة العمل والمهام، وأسباب وغايات الوجود ونطاقه.
ويأتي هذا كله متواكباً مع المشهد السياسي والأمني السوري المستجد الذي تلا سقوط نظام الأسد المجرم.
الموقف السوري من العلاقات مع موسكولا شك أن الدولة السورية الجديدة لن تقبل بالاتفاقيات التي أبرمها نظام الأسد المجرم مع روسيا، وخاصة تلك التي تخص قاعدتي حميميم وطرطوس.
وبالتالي، فإن دمشق ترى وجوب إعادة صياغة الاتفاقيات التي أجراها الحكم الأسدي مع موسكو، وذلك من منطلق المصلحة السورية، وضرورة التنسيق المشترك بين الكرملين والحكومة السورية لتنظيم طبيعة وجود هذه القواعد، وشرعنة الحضور الروسي فيها، بما يتماشى مع الواقع المحلي والدولي الحالي، والتغييرات الجديدة التي حدثت في البلاد، والمترافقة مع المحاولات الروسية للتكيف مع الواقع السوري الجديد، بما يضمن احتفاظها بموطئ قدم يضمن استمرارية مصالحها الاستراتيجية، دون الحاجة إلى إدارة أي نوع من الصراعات.
وعليه، فمن الواضح أنه بُعيد سقوط نظام الأسد المجرم طُرحت عدة ترتيبات لخدمة التعاون المشترك بين سوريا وروسيا وتأطيره.
وهنا أبدت القيادة السورية رغبتها في الحفاظ على العلاقات الإيجابية مع موسكو، خاصة بعد الزيارات المتبادلة للمسؤولين الحكوميين في البلدين، والتي توجت قبل أشهر بزيارة الرئيس السوري أحمد الشرع والوفد المرافق له إلى موسكو.
وتُعتبر هذه الزيارة خطوة ضرورية ومهمة لإعادة ترتيب العلاقات السورية الجديدة مع دول فاعلة في العالم، مثل روسيا والصين وغيرها، وذلك بعد تقييم الاتفاقات السابقة معها، ووضعها محل مراجعة، وفق معيار الموازنة بين مفهوم السيادة الكاملة والمصالح المشتركة المتبادلة.
تكتسب قاعدتا حميميم الجوية وطرطوس البحرية أهمية تتجاوز الوجود الروسي ودوره في سوريا، إلى أهمية حضور موسكو عسكرياً في البحر المتوسط.
الموقف الإسرائيلي والأميركي من الوجود الروسيعملياً، تراقب كل من واشنطن وتل أبيب بقلق وعن كثب مسألة إعادة هيكلة روسيا لقواعدها في سوريا، لا سيما قاعدتي طرطوس وحميميم.
وهنا بالذات تتقاطع مصالح الدولتين في العمل على الحد من النفوذ الروسي في سوريا.
وعليه، فإن إسرائيل تسعى، وتطمح بالدرجة الأولى، من خلال الوجود الروسي، إلى إبعاد إيران وتقليص نفوذها في سوريا، وإشراك روسيا كطرف فاعل في الترتيبات الأمنية المحتملة القادمة في الجنوب السوري.
بل وتطالب تل أبيب بأن تكون القوات الروسية جزءاً من قوات مراقبة اتفاق فض الاشتباك في الجولان.
وهنا تتوافق الرؤية الإسرائيلية نوعاً ما مع التحول الروسي الحالي، والمتمثل في تحويل دور القواعد من الوجود القتالي الكثيف إلى التركيز على المهام اللوجستية والضبط الأمني الاستراتيجي للمنطقة.
أما واشنطن، فقد كثفت رصدها للتحركات الروسية في سوريا، حيث صدقت لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب الأمريكي تعديلات تلزم من خلالها البنتاغون بإعداد تقارير دورية حول مستقبل الوجود الروسي، وفهم طبيعة انتشاره الجديد، وتقييم انعكاساته على التوازنات العسكرية والأمنية الإقليمية، خاصة بعد أن أعادت روسيا أخيراً تزويد قاعدة حميميم بالإمدادات والعتاد العسكري الحديث.
تكتسب قاعدتا حميميم الجوية وطرطوس البحرية أهمية تتجاوز الوجود الروسي ودوره في سوريا، إلى أهمية حضور موسكو عسكرياً في البحر المتوسط، ووجود قواتها في إفريقيا والبحر الأحمر.
وعليه، ستكون روسيا حريصة كل الحرص على الوصول إلى تفاهمات مع الحكومة السورية، تضمن من خلالها بقاءها في الساحل السوري، ومحاولة أخذ دور يدعم ذلك، ويمنحها فرصاً أكبر من خلال نقاط المراقبة، وإسهامها في القوات الدولية المشتركة، التي يمكن أن يتم الاتفاق عليها لمراقبة الحدود مع الجولان المحتل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك