في صباح أحد الأيام، كانت الصحفية السودانية فاطمة فضل جاسر تعدّ تقريرا عن معاناة النازحين في دارفور، وفي مساء اليوم التالي، أصبحت هي نفسها لاجئة في دولة مجاورة.
لكن هذا التحول المفاجئ لم يكسّرها.
اليوم، في مخيم" باماجيرا" للنازحين السودانيين بشرق تشاد، لم تعد فاطمة مجرد لاجئة بل صوتا ونموذجا يحتذى به في صناعة الأمل من رحم المعاناة.
حوّلت فاطمة خيمتها إلى خلية عمل، وقالت للجزيرة نت" أجبرتني ظروف الحرب اللعينة على التخلي عن مهنتي الصحفية والتحول إلى المشاركة في إغاثة اللاجئين وإدارة أزمتهم، من إيواء الآلاف وتوزيع المياه ولم شمل العائلات".
وتضيف" أنشأنا أول منظمة هنا تحت اسم (جندريات لإغاثة النساء)، وتمكنا من تنفيذ العديد من المشاريع في مختلف المجالات".
ولم تكن أنشطة جاسر الوحيدة في مخيمات شرق تشاد، فقد أنشأت أخريات العديد من المنظمات النسوية لخدمة اللاجئين.
تقول سامية آدم، وهي مؤسسة منظمة نسوية بمخيم أردمي، للجزيرة نت" عندما جئت إلى هنا قبل عامين، كنا نظن أن المساعدات ستنقذنا، لكننا سرعان ما اكتشفنا أننا وحدنا بلا منقذ.
الرجال إما قتلى أو مفقودون أو عاجزون.
تحملنا المسؤولية لأن لا أحد غيرنا".
سامية ليست الوحيدة، في مخيم" أردمي" المجاور، تحولت زينب موسى (35 عاما)، النازحة من كرنوي، إلى مسؤولة عن توزيع المياه.
تقول زينب للجزيرة نت" في البداية كانت تعمّ الفوضى، والناس تتشاجر على كل جالون.
وضعنا نظاما؛ كل عائلة تحصل يوميا على حصتها، ما أسهم في تراجع المشاكل بنسبة كبيرة".
وفي مخيم" باماجيرا" ذاته، تدير بدرية عثمان (32 عاما)، التي فقدت زوجها في القصف، اتحادا للنساء ومطبخا جماعيا يطعم 200 شخص يوميا.
تقول للجزيرة نت" أنشأنا اتحادا للمرأة، ومن ثم شرعنا في تنفيذ مشروع التكية.
بدأنا بقدر واحد من الطعام، والآن لدينا ثلاثة قدور.
لا نملك الكثير، لكننا نؤمن بأن المشاركة هي البقاء".
أما في مخيم" باماجيرا"، تمكنت هدى عبد الله (30 عاما) من إنشاء مركز للدعم النفسي داخل خيمتها.
وقالت للجزيرة نت" الكثير من النساء هنا يعانين من صدمات الحرب.
بعضهن فقدن أزواجهن، وأخريات فقدن أطفالهن.
جئت إلى هنا لأخفف عنهن ولو بقليل.
نعقد جلسات يومية للحديث والاستماع.
مجرد كلمة طيبة قد تعيد الأمل إلى قلب منهك".
وتضيف" المركز يقدم أيضا أنشطة ترفيهية للأطفال، لأن الصغار هنا يعانون مثل الكبار.
الحرب لا تفرق بين صغير وكبير".
تشير تقديرات صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى أن النساء والأطفال يشكلون 87% من اللاجئين السودانيين في تشاد.
ويبلغ إجمالي عدد هؤلاء اللاجئين 1.
3 مليون، منهم أكثر من 900 ألف وصلوا منذ بدء الحرب في أبريل/نيسان 2023.
وخلق هذا التحول الديموغرافي فراغا قياديا ملأته النساء بقوة.
وفي شرق تشاد، لا تزال خدمات الصحة النفسية بدائية، ونادرا ما تصل فرق الدعم إلى المخيمات النائية.
في هذا الفراغ الرهيب، برزت نماذج نسائية قيادية، مثل هدى وفاطمة جاسر وبدرية، حوّلن خيامهن إلى مؤسسات إغاثة فعلية.
وتحذّر المفوضية السامية للاجئين وبرنامج الأغذية العالمي من فجوة تمويلية قدرها 428 مليون دولار تهدد المساعدات الأساسية لأكثر من مليون لاجئ.
حاليا، يمكن للمفوضية تقديم مساعدات أساسية لأربعة فقط من كل عشرة لاجئين.
وتعيش 80 ألف عائلة حاليا بدون مأوى في المخيمات الحدودية، وفي بعض المناطق يحصل اللاجئون على أقل من نصف الحد الأدنى اليومي للمياه.
في الثانية ظهرا، تعقد فاطمة جاسر جلسة للدعم النفسي في خيمتها.
وتذكر" جاءت إلي امرأة باكية، قالت إنها لا تستطيع النوم منذ شهور.
رأت بأم عينيها مقتل زوجها وأطفالها.
لم أستطع ردّ وجع الموت عنها، لكنني جلست معها، واستمعت لها، ووعدتها بأنني سأكون بجانبها.
وفي الأيام التالية، بدأت تبتسم قليلا.
كان هذا أثر الكلمة الطيبة".
وتضيف" هذه الجلسات ليست علاجا نفسيا متخصصا، لكنها خطوة أولى.
فكثير من النساء هنا يحتجن فقط إلى من يستمع إليهن.
ونحن نبذل ما في وسعنا، لكننا بحاجة إلى دعم أكبر".
وقبل أيام، وصلت إلى المخيم امرأة عجوز تبحث عن ابنتها.
قضت فاطمة ليلة كاملة تتصل بمعارفها في مخيمات مختلفة حتى عثرت عليها.
تقول والدموع في عينيها" هذه القصص تتكرر يوميا.
الحرب لا تترك أحدا.
لا نستطيع إعادة الموتى، لكننا نستطيع أن نجمع شمل الأحياء".
ورغم هذه النجاحات، تظل التحديات هائلة.
إذ طلب صندوق الأمم المتحدة للسكان 18.
7 مليون دولار لتوفير خدمات الصحة الإنجابية والحماية للاجئين خلال هذا العام.
لكن حتى مارس/آذار 2026، تم تمويل 2.
5% من هذه الخدمات فقط.
ومع اقتراب موسم الأمطار، تتفاقم المخاوف من أن تتحول المخيمات إلى مستنقعات للأمراض والأوبئة.
في مخيمات شرق تشاد، حيث تتساقط أيام اللاجئين في خيام بالية، تواصل فاطمة وزينب وبدرية وهدى وجندريات الخيام كتابة فصول من المبادرة الناجحة اليومية.
وقصصهن ليست مجرد حكايات نجاة فردية، بل هي نموذج لظاهرة أوسع: نساء سودانيات يتحولن من ضحايا إلى مبادرات، ومن صحفيات ومعلمات وأرامل إلى مديرات لعمليات إغاثة.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل سينجح هذا النموذج النسائي في إدارة أزمة اللجوء رغم شح الموارد؟ أم أن الفجوة التمويلية وغياب الدعم الدولي الكافي سيحول هذه الخيام إلى مقابر لجهود نسائية ومجتمعية عامة ولدت من رحم الحرب؟لا تنتظر فاطمة إجابة.
تواصل وزميلاتها عملهن، لأنهن يعلمن أن التأخير يعني حياة أو موتا لمن حولهن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك