ظهر لُصوص وقطاعو طُرق بغداد، أشهرهم ابن حمدي (323 ه).
كان ابن حمدي ظريفاً يعطي مِن سرقاته للمحتاجين، على طريقة الإنجليزي روبن هود.
قال أحد معاصريه قاضي بغداد أبي علي المُحَسَّن التَّنوخي (384 ه)، سامعاً مِن تاجر بغدادي: كان ابن حمدي يقطع الطُرقَ، وفيه فتوة وظُرف، ولا يتعرض لأرباب البضائع اليسيرة، وما قيمتها أقل مِن الألف درهم، وإذا أخذ مِن تاجر ضعيف يترك له قسماً مِن بضاعته، ولا يتعرض لامرأة ولا يسلبها (الفرج بعد الشِّدة).
كانت حجة ابن حمدي في لصوصيته ما قاله للتَّاجر الذي شكا له حاله عندما قطع عليه الطَّريق وسلب بضاعته: «يا هذا، الله بيننا وبين هذا السُّلطان الذي أحوجنا إلى هذا، فإنه قد أسقط أرزاقنا، وأحوجنا إلى هذا الفعل، ولسنا في ما نفعله نرتكب أمراً أعظم مما يرتكبه السُّلطان».
ومما قاله أيضاً: «إن ابن شيرزاد ببغداد يُصادر النَّاس ويفقرهم، حتى إنه يأخذ الموسر المكثر، فلا يخرج مِن حبسه، إلا وهو لا يهتدي إلى شيء غير الصَّدقة» (المصدر نفسه).
قال ابن حمدي مبرراً للتَّجار لصوصيته وقطعه للطُّرق: إن أركان السُّلطة ببغداد «يأخذون أُصول الضِّياع والدُّور والعقار، ويتجاوزون ذلك إلى الحرم والأولاد، فأحسب نحن هنا مثل هؤلاء، وأن واحداً منهم صادرك».
فرد التَّاجر قائلاً: «أعزك الله، ظُلم الظَّلمة لا يكون حجَّةً، والقبيح لا يكون سنةً، وإذا وقفتُ أنا وأنت بين يدي الله عزَّ وجلَّ أترضى أن يكون هذا جوابك له؟ ، فأطرق ملياً ولم أشك أنه يقتلني»، فأعاد له نصف ما سُلب منه (المصدر نفسه).
كان ابن شيرازد محمد بن يحيى كاتباً وصار وزيراً متنفذاً ببغداد.
ويروي المؤرخ والفيلسوف أحمد بن محمد مسكويه (421 ه): أن ابن شيرازد هذا قد تصالح مع اللُّص ابن حمدي، وجعله ضمن الجُند، على أن يدفع للوزير في كلِّ شهر خمسمائة وعشرة آلاف دينار مما يسرقه هو أصحابه، وأخذ عليه تعهداً مكتوباً (تجارب الأمم وتعاقب الهمم).
أما حال بغداد بوجود الوزير المتواطئ مع اللُّصوص والفاسدين، فكانت حسب ما يصفها المؤرخ ابن الأثير (630 ه): غلت الأسعار فيها، حتى بيع القفيز مِن الدقيق الخشكار (النَّخالة) بنيف وستين درهماً، وخبز الخشكار ثلاثة أرطال بدرهم، وبحسابات ذلك الزَّمان كانت غالية جداً، لا يطيقها عامة النَّاس.
زامن تلك الشِّدة هطول أمطار غزيرة فهُدمت المنازل، فأخذ النَّاس يموتون تحت الهدم، وما يُهد مِن البناء لا يجد مَن يُعيد إعماره، فتعطلت الحَمامات، التي كانت تشتهر بها بغداد، وأُغلقت الأسواق لقلة المشترين، وتفاقمت البطالة فليس هناك مَن يبني (الكامل في التَّاريخ).
فكثرت كبسات أصحاب ابن حمدي على المنازل، وأخذ النَّاس يتحارسون بالبوقات، ومع تلك الحال المؤلمة أَمن الوزير ابن شيرازد كبير اللُّصوص، وخلع عليه، وفرض عليه حصة مما يسرق.
فعلق ابن الأثير قائلاً: «فعظم شره حينئذ وهذا لم يُسمع بمثله» (المصدر نفسه).
ابن حمدي كان لصاً وموظفاً رسمياً، فالوزير ابن شيرازد لحاكم بغداد (329 ه) له حصة مِن سرقاته، يستوفيها منه مقابل براءات وروزات (تجارب الأمم)، وتعني الوصولات الرَّسمية، أي هناك شراكة رسمية في اللُّصوصية، وعندما يكون موظف كبير في الدَّولة، على مستوى الوزارة، وبهذه المواصفات تصبح اللصوصية مشروعة، خصوصاً أن ابن حمدي كان مثبتاً في ديوان الجند، الذي هو بيد ابن شيرزاد أيضاً.
لا تستغرب اختيارنا لابن حمدي عنواناً واللُّصوص كثرٌ، لكنه كان لصاً محمياً بالسُّلطة، وما بينه وبين الوزير ما قاله الفرزدق (110 ه): «وإن أبا الكِرشاء ليس بسارقٍ.
ولكنه ما يسرق القومُ يأكلُ» (التوحيدي، الإمتاع والمؤانسة).
لابن حمدي صارت فضائيات، وفساطيط، وحمايات، وقصور فارهات، وحدث عن النِّعمة الحرام بلا حرج.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك