بعد أشهر من إعلان الجيش الإسرائيلي خطته الخمسية الجديدة" حوشن"، في منتصف يناير/كانون الثاني 2026، حيث تبدو الخطة أقل ارتباطاً بالشعارات الكبرى، وأكثر اتصالاً بالأرقام الثقيلة التي تحيط بالجيش من نقص آلاف الجنود، وتضخم عبء الاحتياط، وارتفاع ميزانية الأمن، وديون متراكمة للصناعات العسكرية، وغموض بشأن مستقبل المساعدة الأمريكية.
وبينما يقدّمها رئيس الأركان إيال زامير كخطة لإعادة بناء الجيش بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول، تكشف المصادر الإسرائيلية أن طريق التنفيذ يبدأ من واقع عسكري ومالي وبشري شديد التعقيد.
list 1 of 2هل خان ممداني أصحاب البقالات في نيويورك؟list 2 of 2سؤال البقاء.
حرب إيران تكشف هشاشة إسرائيل وعزلتهاففي 12 يناير/كانون الثاني 2026، نشر موقع الجيش الإسرائيلي النص الرسمي الأول عن خطة" حوشن"، موضحاً أنها الخطة متعددة السنوات الجديدة للجيش بين 2026 و2030، وهي تستند إلى تحقيقات 7 أكتوبر/تشرين الأول والحرب كلها، مع نظر إلى" رؤية الحرب القادمة".
ويرتبط اسم الخطة بالموروث اليهودي التوراتي حيث قال موقع الجيش الإسرائيلي إن الاسم مشتق من 12 حجراً من درع رئيس الكهنة التي تُمثل أسباط إسرائيل.
وتقوم الخطة على 12 محوراً أساسياً، تبدأ بـ" الإنسان"، ثم" الجاهزية للحرب"، و" العودة للكفاءة والترميم"، و" الحدود"، و" الدفاع الجوي والتهديدات القريبة من الأرض"، كما تضع هذه المحاور الخطة في مساحة أوسع من شراء المنصات أو إدخال التكنولوجيا، لأن الوثيقة الرسمية نفسها تضع القوة البشرية والجاهزية وترميم المنظومات في مقدمة الأولويات.
وفي قراءة نشرها الكاتب الأمني يشاي ألمكايس-ألرام في" مكور ريشون في يناير/كانون الثاني 2026 بعنوان" خطة حوشن: هكذا سيبني الجيش نفسه حتى 2030 بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول"، ورد أن نقطة انطلاق الخطة هي العمل في مسارين متوازيين: " تشغيل مكثف للقوة في كل الساحات، إلى جانب بناء قوة متسارع ومركز".
ويضيف الكاتب أن الخطة تُبنى على خلفية حرب متعددة الساحات، بعد أكثر من عامين من القتال في" السيوف الحديدية"، حيث تآكلت كفاءة الجيش، ويشير إلى أن شعبة التخطيط تقود العمل بتوجيه من زامير، وأن الخطة تستند إلى تحقيقات الحرب وسلسلة لقاءات مع قادة ميدانيين.
وفي قراءة ثانية لمكور ريشون بعنوان" أقل تكنولوجيا، أكثر جذوراً ونقطة العمى"، كتب ألمكايس-ألرام في 14 يناير/كانون الثاني أن خطة" حوشن" جاءت" بعد خطتين متعددتي السنوات"، مضيفاً أن الجيش هذه المرة" اختار ألا ينفذ ثورة صاخبة، بل تصحيحاً داخلياً محسوباً وحذراً".
ويربط الكاتب الخطة بقضايا أعمق من التكنولوجيا: الإنذار، الحدود، التفوق التكنولوجي، والعلاقة بين الجيش والمجتمع الذي يخرج منه، كما تطرح سؤالاً مركزياً حول ما وُضع في مركز الخطة وما بقي على هامشها.
ولعل أحد أثقل الأرقام المتعلقة بقدرة" حوشن" على التنفيذ ورد في تقرير" كالكاليست" للكاتب شاحر إيلان، يوم 20 مايو/أيار 2026، حيث نقل التقرير عن رئيس شعبة التخطيط وإدارة القوة البشرية، العميد شاي طيب، أن الجيش يعاني حالياً نقصاً بنحو 12 ألف جندي، بينهم ما بين 6 آلاف و7500 مقاتل، وحذر من أن الفجوة قد ترتفع في بداية 2027 إلى 17 ألف جندي.
وأضاف أن تقليص مدة الخدمة" سيحسم منظومة الاحتياط ويدفع الجيش النظامي إلى الحافة"، كما أوضح أن الجيش يطلب تمديد الخدمة إلى 36 شهراً، في حين أن الخدمة الحالية 32 شهراً، ومن المتوقع أن تنخفض إلى 30 شهراً لمن يُفترض تسريحهم ابتداءً من يناير/كانون الثاني 2027.
في 17 مايو/أيار 2026، نشرت هيئة البث الإسرائيلية" كان" أن المؤسسة الأمنية تحذر من علاقة مباشرة بين قانون التجنيد وحجم القوات العملياتية، وأشارت إلى أنه إذا لم يأت قانون يجلب مزيداً من الجنود للجيش، وخصوصاً" تجنيداً كبيراً للحريديم"، فإن الجيش سيواجه خلال أشهر قليلة" نقصاً حاداً".
ويشير التقرير إلى أن عدد المجندين الفعلي لا يغلق الفجوة، بسبب القتلى والجرحى والتآكل المتراكم، كما ورد أن عدد المقاتلين في كل دورة تجنيد جرى رفعه خلال الحرب، لكن حجم القوة لم يتغير تقريباً بفعل الخسائر والإرهاق، وهو ما يضع ملف تجنيد الحريديم داخل حسابات الخطة الخمسية، لا في هامش الجدل السياسي فقط.
وفي 16 فبراير/شباط 2026، نشر موقع الجيش نص لقاء زامير مع قادة ألوية الاحتياط الذي قال فيه" سنواصل بوتيرة عملياتية هجومية عالية، ونحن نصغي إلى الأصوات من الميدان ونعمل من أجلها"، وأضاف أن الحرب أثبتت أن ألوية الاحتياط جزء مهم من" لب العمل العملياتي" للجيش.
وتعزز أرقام يديعوت أحرونوت مرة أخرى هذه الصورة، ففي تقرير ليوآف زيتون عن خطة الاحتياط لعام 2026، ورد أن الجيش يستعد لإبقاء نحو 60 ألف جندي احتياط في الخدمة في كل لحظة خلال 2026، أي عشرة أضعاف ما كان قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول، وأن كل عنصر احتياط قد يُستدعى لنحو شهرين ونصف سنوياً.
ويشير التقرير نفسه إلى خلاف بين الجيش ووزارة المالية حول تثبيت" سلة الاحتياجات" لـ5 سنوات، مقابل رغبة المالية في حصرها بسنة واحدة ثم إعادة الفحص.
مالياً، تتحرك" حوشن" داخل أرقام غير مسبوقة، وتحدثت تقارير إسرائيلية عن إطار تعاظم يقارب 350 مليار شيكل (نحو 94.
5 مليار دولار) خلال عقد.
وفي 24 مارس/آذار 2026، أعلن الكنيست أن لجنة ميزانية الأمن أقرت ميزانية الجيش لعام 2026 بنحو 143 مليار شيكل (نحو 38.
6 مليار دولار) من ميزانية الدولة، إضافة إلى نحو 22 مليار شيكل (نحو 5.
9 مليارات دولار) من المساعدة الأمريكية.
لكن في 29 أبريل/نيسان 2026، نشر" كالكاليست" أن ديون وزارة الدفاع للصناعات العسكرية بلغت مستوى قياسياً يقارب 13 مليار شيكل (نحو 3.
5 مليارات دولار)، وذلك على خلفية ارتفاع ميزانية الجيش لعام 2026 من 112 مليار شيكل (نحو 30.
2 مليار دولار) في بداية العام إلى نحو 144 مليار شيكل (نحو 38.
9 مليار دولار) لاحقاً، وفق التقرير.
وهذه الأرقام تضع الخطة بين ميزانية معلنة كبيرة والتزامات مالية متراكمة على وزارة الدفاع تجاه الصناعات التي يفترض أن تتحمل جزءاً مهماً من بناء القوة.
وتظهر المساعدة الأمريكية كعامل آخر في حسابات" حوشن"، حيث كتب يوآف زيتون في يديعوت أحرونوت أن الخطة تنطلق في ظل خشية داخل الجيش من تقليص واسع في برنامج المساعدة العسكرية الأمريكية لإسرائيل، الذي يفترض أن تبدأ صيغته الجديدة عام 2028، مع احتمال أن تكون الصيغة المقبلة هي الأخيرة.
وفي تقرير منفصل لدانيال أديلسون في يديعوت أحرونوت نقل عن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أنه يريد وقف المساعدة العسكرية الأمريكية خلال عقد، مشيراً إلى أن إسرائيل تتلقى حالياً 3.
8 مليارات دولار سنوياً، وهذه النقطة ترافقت مع نقاش داخلي حول زيادة الإنتاج المحلي، والاعتماد على الصناعات الإسرائيلية، خصوصاً في الذخائر والمنظومات القتالية.
وكتب المراسل العسكري يوآف زيتون في يديعوت أحرونوت في 12 يناير/كانون الثاني 2026، أن خططاً مشابهة على غرار" جدعون" و" تنوفا" انهارت مراراً خلال السنوات الـ15 الأخيرة بسبب أزمات مع وزارة المالية، أو تصعيدات أمنية، أو غياب ميزانية دولة، كما حدث في سنوات الانتخابات 2019 و2020، كما أشار إلى أن صفقات شراء كبرى، مثل أسراب الطائرات والتزود بالوقود، تأجلت لهذه الأسباب.
وقد انطلقت" جدعون" بقيادة غادي إيزنكوت بين 2016 و2020 في بيئة أكثر استقراراً؛ أقرها الكابينت، واستندت إلى اتفاق" كحلون-يعلون" والمساعدة الأمريكية، وبلغت ميزانيتها الأصلية 349 مليار شيكل (نحو 94.
3 مليار دولار).
أما" تنوفا" بقيادة أفيف كوخافي، فبدأت بين 2020 و2024 وفق دراسة شموئيل إيفن التي نشرها معهد دراسات الأمن القومي والتي أشار إلى أن الخطة تم تنفيذها بلا مصادقة منظمة من الكابينت ولا اتفاق ميزانية متعدد السنوات، وركزت فلسفتها على الفتك، الدقة، والربط الاستخباري-الناري، في حين تأتي" حوشن" كخطة خمسية لبناء جيش ما بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول.
وفي الصحافة العسكرية الإسرائيلية، هي خطة تعمل على مسارين: مواصلة التشغيل المكثف وبناء القوة.
وفي الأرقام، هي خطة تواجه نقصاً بنحو 12 ألف جندي، واحتمال ارتفاعه إلى 17 ألفاً، وحاجة معلنة إلى 15 ألف جندي إضافي، وعبء احتياط يصل إلى 60 ألف عنصر في كل لحظة خلال 2026، وميزانية أمن بنحو 143 مليار شيكل (نحو 38.
6 مليار دولار)، وديون للصناعات الأمنية تقارب 13 مليار شيكل (نحو 3.
5 مليارات دولار)، وبميزانية دعم تقارب 350 مليار شيكل (نحو 94.
5 مليار دولار) خلال عقد.
وبهذه المعطيات، لا تبدو" حوشن" مجرد خطة عسكرية لخمس سنوات، بل ملفاً مفتوحاً على أسئلة القوة البشرية والميزانية والاحتياط والمساعدة الأمريكية وقدرة الجيش الإسرائيلي على الانتقال من صدمة الحرب إلى بناء قوة مستقرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك