يقترح الشاعر المصري عماد أبو صالح في كتابه" أخي لوركا" (ديوان، القاهرة، 2026) سيرةً ثقافية غيرية للشاعر الإسباني لوركا، ويقدم سيرته بعد عقود على رحيله، في إطار من النقاش حول حياته وأعماله.
يبدأ أبو صالح كتابه بمفارقة أن الأطباء لم يعثروا على جثته ليشرّحوها، إلا أنَّ مؤلفي سيرة لوركا ومتتبعي آثاره شرحوه، و" شرَّحوه"، بحيث لم يكن الموت خلقاً لأسطورته، إنَّما تكريساً لها، ووفق أبو صالح، فقد كان موت الشاعر" قصيدة ختامية".
يجيب أبو صالح عن سؤالٍ يفترضه، وهو" لماذا نحب لوركا؟ "، ثم يخصّص: " لماذا يجدر بالعرب تحديداً أن يحبوا لوركا؟ "، يستعرض أبو صالح مشاهد من يوميات لوركا طفلاً، حيث كان يرتدي، وفق مذكرات شقيقته إيزابيل، ملابس عربية، يتنقل بين السطوح، يرتدي العمامة ويضع شارباً، ويتظاهر أنه يتكلم العربية، وما ترويه شقيقته عنه، هو جزء من تأثير الثقافة العربية الإسلامية في الوجدان الإسباني، إذ لم يتعامل لوركا مع الثقافة العربية الإسلامية على أنها فلكلور من" زمن بائد"، إنما كان دائم البحث في جذورها وفك شيفراتها.
كما يظهر تأثره بالشعر العربي في ديوان" التماريت"، الذي كتبه بين عامي 1931 و1935، سواء باستخدام الألفاظ العربية، بدءاً من العنوان -وهو مشتق من كلمة التمر- أو في تقسيم المحتوى إلى جزأين، هما" غزليات"، و" قصائد".
كما يستند أبو صالح إلى كتاب محمود صبح" المواضيع والألفاظ العربية في أعمال لوركا الأدبية"، ويستشهد بمجموعة من الكلمات العربية في قصائده، مثل: الحبق والخزامى والريحان والمسك والكافور والزهر والسوسن والزعفران، وغيرها.
إضافة إلى أسماء المدن مثل الإسكندرية ودمشق والقدس وبيت لحم.
أيضاً يضمّن الكتاب رؤية لوركا للعهد الأندلسي في إسبانيا، وقد رأى أن انتهاء عصر العرب فيها، لم يكن مسألة" استرداد" أرض من احتلال، إنما كان استئصالاً لثقافة التسامح والتنوّع، مع رؤيته لممالك العرب في الأندلس نموذجاً للتعايش بين المسيحيين والمسلمين.
يظهر تأثره بالشعر العربي في استخدامه الألفاظ العربيةيقع الكتاب في ستة فصول، ويقرأ أبو صالح لوركا من خلال مكتبة واسعة كتبت عنه، يبدأ من جوناثان مايهيو وكتابه" لوركا الملفق"، حيث تظهر فكرة" لوركا الأميركي".
أي، الشاعر الذي أعادت الثقافة الأنغلو ـ أميركية تكييفه وفق حاجاتها الجمالية والسياسية.
كما يستعرض أسماء شعراء تأثروا به منذ خمسينيات القرن العشرين، ومن بينهم: آلان غينسبرغ، وروبرت بلاي، وليونارد كوهين، وفرانك أوهارا، وأميري بركة، وروبرت دنكن، وجيمس رايت، وجيروم روتنبرغ، وجاك سبايسر، وويليام ستافورد، ويتتبع أثره في جيل البيت، ومدرسة سان فرانسيسكو، ومدرسة نيويورك، وحركة" الصورة العميقة"، المتصلة بتنظيراته حول" الغناء العميق".
وفي باب السيرة، يستدعي أبو صالح الباحث الأيرلندي الأشهر في حياة لوركا إيان جيبسون، وليزلي ستينتون صاحبة" لوركا: حلم حياة"، يستشهد بسيرة ستينتون عنه، وينقل تشكيكها في عمق لوركا الفكري، ثم يواجه هذا التصور عبر قراءات لوركا نفسها، التي تشمل مانريكي، وغارسيلاسو، وسرفانتس، وجونغورا، وبيكر، وروبن داريو، وماتشادو، وشكسبير، وإبسن، وبيراندللو، إضافة إلى المآسي اليونانية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك