جاءت مشاركة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي في قمة مجموعة السبع بصفتها أكبر من مجرد حضور بروتوكولي؛ حيث عكست إدراكًا دوليًا متزايدًا بأن القاهرة أصبحت طرفًا حاضرًا في لحظات القرار الكبرى المرتبطة بأزمات الشرق الأوسط، وأن صوت مصر بات مطلوبًا حين تبحث القوى الكبرى عن مداخل للتهدئة، أو صيغ للتسوية، أو شركاء قادرين على الجمع بين الثقل السياسي والخبرة التاريخية والقدرة العملية على التحرك في ملفات شديدة التعقيد، ومن هذا المنطلق، بدت المشاركة المصرية في القمة بمثابة اعتراف سياسي بمكانة مصر، وبوزن السيد الرئيس السيسي في إدارة ملفات الإقليم في لحظة تتشابك فيها الحرب، والوساطة، والطاقة، والملاحة، والأمن الإقليمي في مشهد واحد.
مصر" شريك إستراتيجي" في لحظة دولية حساسةاللافت في المشاركة المصرية أنها جاءت ضمن دائرة محدودة من القادة الذين جرى توجيه الدعوة إليهم كشركاء في نقاشات القمة، وهو ما يعكس أن مصر لم تعد تُنظر إليها فقط باعتبارها دولة إقليمية كبيرة، بل باعتبارها طرفًا يمكنه الإسهام في صياغة مقاربات للحلول، خصوصًا في الشرق الأوسط.
وقد وُصفت المشاركة رسميًا بأنها تجسيد لدور مصر المحوري في دعم جهود التنمية والاستقرار في المنطقة، بما يعني أن وجود القاهرة على طاولة القمة كان مرتبطًا بدورها وثقلها السياسي والدبلوماسي، لا بحضور رمزي عابر.
الدعوة الفرنسية باعتبارها رسالة ثقةالقراءة السياسية الأوضح لدلالة هذه المشاركة، جاءت من الجانب الفرنسي نفسه؛ إذ جرى التأكيد على أن دعوة الرئيس السيسي تعكس الثقة في دوره المحوري في الوساطات الإقليمية، والاقتناع بقدرته على المساهمة في بلورة حلول لأزمات الشرق الأوسط.
ووفقا لتلك الرؤية، يتضح أن باريس كانت حريصة على الاستماع إلى" الصوت المصري"، لما تملكه القاهرة من خبرة تاريخية، وما تمثله من طرف يُنظر إليه كصاحب خبرة متراكمة في إدارة الأزمات الحساسة، خصوصًا في ملفات فلسطين ولبنان والتوترات المرتبطة بالإقليم الأوسع.
ولم تأت أهمية المشاركة المصرية من طبيعة القمة فقط، بل من التوقيت كذلك، فالقمة انعقدت بينما كانت المنطقة تعيش تداخلًا بين محاولات وقف الحروب، واحتواء التصعيد، وحماية الملاحة الدولية، ومنع اتساع دوائر الصراع.
وفي هذا السياق، بدت مصر بالنسبة لعدد من العواصم الكبرى طرفًا قادرًا على الجمع بين الرؤية السياسية، والحضور الميداني، وصلات التواصل مع أطراف متعددة، وهو ما أعطى للمشاركة المصرية وزنًا أكبر من إطارها الدبلوماسي التقليدي.
رؤية مصر: لا استقرار بلا تسوية عادلةوفي الجلسة الخاصة باستقرار الشرق الأوسط، طرح السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي رؤية مصرية متكاملة تقوم على أن الأمن الحقيقي لا يُبنى بإدارة الأزمات فقط، بل بتسوية جذورها، ومن هنا شدد على أنه لا بديل عن حل عادل ودائم للقضية الفلسطينية على أساس حل الدولتين، بما يضمن قيام الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، معتبرًا أن هذه التسوية ليست مطلبًا سياسيًا فحسب، بل شرطًا لازمًا لإقامة سلام دائم في المنطقة بأكملها.
رفض توسيع الصراع والدعوة لإنهاء منطق التصعيدولم يقتصر الطرح المصري داخل القمة على فلسطين فقط، بل امتد إلى مجمل معادلة الأمن الإقليمي؛ حيث أكد السيد الرئيس السيسي رفض مصر لأي اعتداءات على دول الخليج، وربط أمن الخليج بالأمن القومي المصري، كما شدد على ضرورة احترام سيادة الدول، ووقف منطق التوسع، ومنع ممارسات من شأنها زيادة الاحتقان أو تقويض فرص التسوية.
وفي الوقت نفسه طرح مقاربة أوسع تربط الاستقرار الإقليمي بأمن الممرات الملاحية، وأمن الطاقة، واحترام القانون الدولي، ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل في المنطقة.
منطق الدولة والتسوية بدل منطق الفوضىوأحد أهم ملامح الرسالة المصرية في القمة، أن القاهرة قدمت نفسها بوصفها داعيةً إلى استعادة منطق الدولة الوطنية والمؤسسات الشرعية، ورفض عسكرة الأزمات أو تركها مفتوحة على الاستنزاف.
وهذا الطرح يعكس مدرسة مصرية ثابتة في إدارة الملفات الإقليمية: لا حلول مستدامة من دون احترام سيادة الدول، ولا استقرار من دون مؤسسات، ولا سلام من دون تسويات سياسية قابلة للحياة.
لقاء الرئيس السيسي والرئيس ترامب.
شراكة واستقرار وتنسيقوجاء لقاء الرئيس عبدالفتاح السيسي مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على هامش القمة ليؤكد أن العلاقات المصرية الأمريكية ما زالت تُدار على أساس أنها ركيزة من ركائز الاستقرار الإقليمي.
وخلال اللقاء جرى التشديد على أهمية تطوير الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، مع الاتفاق على تكثيف التشاور والتنسيق السياسي بشأن الملفات الإقليمية والدولية، بما يعكس أن القاهرة وواشنطن تنظران إلى العلاقة بينهما باعتبارها أداة لصناعة التوازن، وليس مجرد إطار ثنائي تقليدي.
الإشادة الأمريكية بدور مصر ودور الرئيس السيسي شخصيًاوثمّن الرئيس الأمريكي بوضوح خلال اللقاء الدور المحوري الذي اضطلعت به مصر، وكذلك الجهد الشخصي للرئيس السيسي، في دعم المسار التفاوضي وخفض التصعيد في المنطقة.
هذه الصياغة ليست مجاملة بروتوكولية عابرة؛ بل تعني اعترافًا أمريكيًا مباشرًا بأن القاهرة كانت طرفًا فاعلًا في تحريك مسارات التهدئة، وأن حضورها لم يكن ثانويًا، بل مؤثرًا في إدارة التوازنات الإقليمية ومحاولات الوصول إلى تسويات قابلة للاستمرار.
وأكد الرئيس السيسي، خلال اللقاء، أن تسوية القضية الفلسطينية تظل المدخل الأساسي لتحقيق السلام الدائم والاستقرار في الشرق الأوسط، كما شدد على حرص مصر على مواصلة التنسيق مع الجانب الأمريكي لدفع تنفيذ خطة السلام الخاصة بقطاع غزة واستعادة التهدئة في المنطقة.
وبذلك لم يكن اللقاء مجرد مجاملة سياسية، بل منصة لتثبيت الدور المصري بوصفه طرفًا أساسيًا في أي جهد يخص غزة، سواء في التهدئة أو في مسارات ما بعد التهدئة.
من الإقليم إلى المياه: اتساع أجندة الحوارولم يتوقف اللقاء بين الرئيسين عند قضايا الإقليم الساخنة، بل تطرق أيضًا إلى ملف نهر النيل؛ حيث شدد الرئيس السيسي على أن القضية تمثل أولوية قصوى للأمن القومي المصري، وفي المقابل، أبدى الرئيس الأمريكي تفهمًا للشواغل المصرية، مؤكدًا أنه سيولي هذا الملف أولوية كبرى من أجل الوصول إلى تسوية عادلة.
ودلالة ذلك أن حضور الرئيس السيسي في القمة لم يخدم فقط الملف الإقليمي العام، بل أتاح كذلك توظيف الزخم الدولي في إعادة طرح قضايا الأمن القومي المصري المباشر أمام القيادة الأمريكية.
شهادة القادة في حق الدور المصري بالمنطقة1) أنطونيو كوستا وموقع مصر في معادلة الاستقراروفي لقاء الرئيس السيسي مع رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، جاء التقدير الأوروبي واضحًا؛ إذ عبّر كوستا عن تقديره لدور مصر في تعزيز الاستقرار الإقليمي، كما ثمّن جهودها في دعم المسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران، وأكد أهمية التنسيق الوثيق بين مصر والاتحاد الأوروبي في معالجة الأزمات الإقليمية.
وكشفت هذه الإشادة أن القاهرة بالنسبة للمؤسسات الأوروبية ليست مجرد شريك جوار، بل عنصر استقرار يُعوَّل عليه في لحظات التوتر الكبرى.
2) أورسولا فون دير لاين والنظرة الأوروبية لمصر كقوة مسئولةوفي السياق الأوروبي نفسه، وصفت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين مصر كطرف يتعامل مع أزمات المنطقة بـ" نهج مسئول"، مع الإشارة إلى وجود تقارب كبير بين المواقف المصرية والأوروبية، بما يتيح للطرفين لعب أدوار إيجابية في معالجة النزاعات الجارية.
وهذه اللغة السياسية تعني أن أوروبا ترى في القاهرة شريكًا قادرًا على تحويل التفاهمات السياسية إلى مسارات عمل، لا مجرد دولة تطرح مواقف عامة.
3) جورجيا ميلوني واستدعاء النموذج المصري في السلاموأشارت رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني إلى أن مشاركة الرئيس السيسي تؤكد أن السلام لا يمكن بلوغه إلا من خلال اتفاقات حقيقية من طراز معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، بما يبرز مكانة التجربة المصرية باعتبارها نموذجًا تاريخيًا يمكن القياس عليه في البحث عن مخرج للنزاعات الحالية.
وفي هذا المعنى، فإن الإشادة لم تكن موجهة إلى مصر كدولة فقط، بل إلى خبرتها السياسية في بناء السلام والحفاظ عليه.
4) رئيس وزراء كندا والإقرار بفعالية التحرك المصريوأكد رئيس الوزراء الكندي مارك كارني على الدور الكبير الذي قام به الرئيس السيسي إلى جانب الرئيس الأمريكي في الوصول إلى اتفاق لوقف الحرب في قطاع غزة.
وهذه شهادة سياسية مهمة لأنها تصدر من دولة كبرى مشاركة في القمة، وتربط بين الدور المصري وبين نتيجة سياسية عملية، لا بمجرد تقدير دبلوماسي عام.
5) الدبلوماسية الفرنسية والثقة في" الصوت المصري"وحمل التوصيف الفرنسي لمشاركة الرئيس السيسي بُعدًا إضافيًا يتجاوز الإشادة المباشرة؛ حيث قُدمت الدعوة نفسها باعتبارها تعبيرًا عن رغبة باريس في الاستماع إلى الرؤية المصرية، وثقتها في قدرة القاهرة على الإسهام في الحلول.
وهذا يعني أن الدور المصري لم يُنظر إليه من زاوية الوساطة فقط، بل من زاوية امتلاك رؤية سياسية يُعتد بها داخل منتدى دولي يضم القوى الاقتصادية والسياسية الكبرى.
مصر ليست مراقبًا للأزمة بل طرفًا في هندسة الحلولوالقاسم المشترك بين شهادات القادة المشاركين في القمة، هو أنها لا تتعامل مع مصر كدولة" متابعة" لما يحدث في المنطقة، بل كدولة" مؤثرة" في كيفية إدارة الملفات وصياغة التسويات.
فالحديث عن الوساطة، وعن المسار التفاوضي، وعن خفض التصعيد، وعن الحفاظ على الاستقرار، كلها تعبيرات تنقل مصر من موقع التعليق إلى موقع التأثير.
ومن أهم ما ميز الحضور المصري في هذه القمة، أن الإشادات جاءت من أطراف مختلفة: الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وقادة مشاركون في الجلسة الخاصة بالشرق الأوسط، وهو ما يكشف أن القاهرة تتحرك بمنطق الدولة التي تستطيع التواصل مع دوائر متباينة، وتحافظ في الوقت ذاته على خطاب يدفع نحو التهدئة والتسوية واحترام الدولة الوطنية، ومن هنا جاءت أهمية الدور المصري باعتباره دورًا توازنيًا، لا دورًا منحازًا لمحور على حساب آخر.
المكاسب السياسية التي عكستها القمة لمصر1) تثبيت مركزية القاهرة في ملفات المنطقةورسخت مشاركة الرئيس السيسي ولقاءاته على هامش القمة صورة مصر باعتبارها دولة لا يمكن تجاوزها في مناقشة قضايا غزة، والاستقرار الإقليمي، وأمن الممرات، وترتيبات ما بعد التهدئة، وهو ما يمنح القاهرة مساحة أوسع للتأثير في مسارات الحل، ويعزز قدرتها على طرح أولوياتها في المحافل الدولية الكبرى.
2) توسيع هامش الحركة بين واشنطن وأوروباكما أظهرت القمة أن مصر تتحرك على أكثر من مسار في الوقت نفسه: شراكة إستراتيجية مع الولايات المتحدة، وتنسيق متقدم مع الاتحاد الأوروبي، وعلاقات وثيقة مع الدولة المضيفة.
وهذه المرونة تمنح الدبلوماسية المصرية قدرة أكبر على التحرك، وعلى الاستفادة من توافقات دولية متقاطعة، دون الوقوع في أسر اتجاه واحد.
وحين تتكرر الإشادة الدولية بالدور المصري في أكثر من اجتماع وأكثر من مستوى، فإن ذلك يكون رصيدًا سياسيًا مهمًا للقاهرة، هذا الرصيد لا يقاس فقط بحجم المجاملة الدبلوماسية، بل بقدرة مصر على استخدام هذا الاعتراف لدعم مواقفها في الملفات الكبرى، سواء المتعلقة بالقضية الفلسطينية، أو بأمن الملاحة، أو حتى بالقضايا المرتبطة بالمصالح المائية والأمن القومي المباشر.
الرئيس السيسي يُنظر إليه من القوى الدولية بوصفه شريكًا فاعلًا في جهود الوساطة وخفض التصعيدإن مشاركة الرئيس عبدالفتاح السيسي في قمة مجموعة السبع لم تكن مجرد حضور مصري في مناسبة دولية رفيعة، بل كانت مشهدًا سياسيًا مكثفًا كشف ثلاث حقائق أساسية: أولها أن مصر ما زالت تُعد ركيزة استقرار في الشرق الأوسط، وثانيها أن الرئيس السيسي بات يُنظر إليه من جانب عدد من القوى الدولية بوصفه شريكًا فاعلًا في جهود الوساطة وخفض التصعيد، وثالثها أن القاهرة استطاعت أن توظف هذا الحضور لتأكيد أولوياتها الاستراتيجية، من فلسطين إلى الأمن الإقليمي إلى القضايا المرتبطة بالأمن القومي المصري.
ولذلك يمكن القول إن" شهادة الرؤساء" في هذه القمة لم تكن مجرد عبارات تقدير، بل تعبيرًا سياسيًا واضحًا عن وزن مصر ودورها، وعن اتساع الاعتراف الدولي بقدرتها على الإسهام في صناعة الاستقرار حين تضطرب المنطقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك