Euronews عــربي - تايوان تنتظر الضوء الأخضر الأميركي لصفقة سلاح كبرى.. وتوجّه رسالة "حاسمة" إلى الصين سكاي نيوز عربية - ماجر: ميسي من كوكب آخر وأدعم استراحة الترطيب Euronews عــربي - فيلم الأسبوع في يورونيوز كالتشر: توي ستوري 5 - صديقك في عالم التقنية؟ الجزيرة نت - تعويضات العبودية محور قمة في غانا.. هل تنقل الملف من الوعود إلى الأفعال؟ القدس العربي - نيويورك تايمز: ترامب طالب باستسلام غير مشروط لإيران فحصل على مفاجأة التلفزيون العربي - قصر فيرساي.. لماذا اختير مكانًا لتوقيع الاتفاق الأميركي الإيراني؟ CNN بالعربية - يشير إلى أمر رئيسي واحد.. ما الذي يعنيه الاتفاق الأمريكي الإيراني؟ وكالة شينخوا الصينية - ليبيا: اعتماد "خريطة طريق" لإجراء انتخابات متزامنة في موعد أقصاه 17 فبراير 2027 العربية نت - اتهامات بالتلاعب تحرم نجم كوت ديفوار من مواجهة ألمانيا في كأس العالم وكالة الأناضول - باريس.. 26 شركة ناشئة تمثل تركيا في "فيفاتك 2026" للتكنولوجيا
عامة

"محكمة العالم" تمنح الجناة مهلة!

الجزيرة نت
الجزيرة نت منذ 1 ساعة

في الفقه القانوني المستقر، تعد القاعدة الأصولية القائلة إن" العدالة المتأخرة هي عدالة منقوصة أو مغيبة"، أحد المرتكزات الفلسفية التي يقوم عليها مفهوم الإنصاف. ومع ذلك، يواجه نظام العدالة الدولية المعاص...

في الفقه القانوني المستقر، تعد القاعدة الأصولية القائلة إن" العدالة المتأخرة هي عدالة منقوصة أو مغيبة"، أحد المرتكزات الفلسفية التي يقوم عليها مفهوم الإنصاف.

ومع ذلك، يواجه نظام العدالة الدولية المعاصر مأزقا هيكليا مزمنا يتجلى في التناقض الصارخ بين الوتيرة المتسارعة للانتهاكات الجسيمة على أرض الواقع، والوتيرة المتثاقلة للإجراءات القضائية داخل أروقة المحاكم.

لقد تجسدت هذه المعضلة بأقصى صورها الحقوقية والقانونية في القرار الصادر عن محكمة العدل الدولية بتثبيت جدول إجرائي جديد لدعوى جنوب أفريقيا ضد إسرائيل بشأن تطبيق اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها في قطاع غزة، وهو الجدول الذي يمدد المسار الإجرائي والمرحلة الكتابية علنا حتى مايو/أيار 2029.

يثير هذا التمديد الطويل، في توقيته وسياقه، جملة من التساؤلات المشروعة والريبة السياسية والقانونية حول ما إذا كانت المنظومة القضائية الدولية، متمثلة في" محكمة العالم"، قد تحولت أدواتها الفنية والإجرائية من وسائل لحماية الحقوق وصون السلم والأمن الدوليين، إلى آليات ومظلات قانونية تمنح الأطراف المعتدية فائضا من الوقت؛ لتغيير الوقائع الميدانية، وفرض سياسة الأمر الواقع.

إن التحليل القانوني الرصين يفرض علينا تفكيك هذا القرار، لا لعزل القانون عن بيئته السياسية، بل لتحديد الحد الفاصل بين" الضرورات الإجرائية الفنية" و" التوظيف السياسي لعامل الزمن" كأداة لإجهاض المساءلة الدولية.

أولا: تفكيك الوقائع الفنية لأمر المحكمة الصادر في مايو/أيار 2026لإجراء قراءة نقدية موضوعية، يجب أولا تحرير الوقائع الفنية كما وردت في أمر محكمة العدل الدولية الصادر في 21 مايو/أيار 2026، بعيدا عن المبالغات الإعلامية، ومن ثم الغوص في أبعادها القانونية:الخلفية الإجرائية والتمديدات السابقة: في الأصل، حددت المحكمة مواعيد متقاربة للمرافعات الكتابية، إلا أن إسرائيل نجحت في الحصول على تمديدين متتاليين لإيداع مذكرتها المضادة، مما أدى إلى استهلاك المدى الزمني حتى 12 مارس/آذار 2026.

هذا التأجيل الأولي وضع المنظومة الإجرائية بأكملها في حالة إزاحة زمنية متراكمة.

الاجتماع الإجرائي والطلبات المتبادلة: في 29 نيسان/أبريل 2026، عقد رئيس المحكمة اجتماعا رسميا مع وكلاء الطرفين للاستماع إلى آرائهم بشأن الخطوات التالية.

في هذا الاجتماع، تقدمت جنوب أفريقيا بطلب لفتح جولة ثانية من المذكرات المكتوبة، معطية لنفسها مهلة 18 شهرا لإعداد" الرد".

واستندت جنوب أفريقيا في طلبها إلى الحجم الهائل والدفوع المعقدة التي أوردتها إسرائيل في مذكرتها المضادة، لا سيما الدفوع المتعلقة بعدم اختصاص المحكمة وبإجراءات قبول الدعوى.

الموقف الإسرائيلي والاستجابة القضائية: من جهتها، جادلت إسرائيل بأن فتح جولة ثانية من المذكرات الكتابية هو أمر غير ضروري بالأساس، لكنها أردفت ذلك بشرط تكتيكي: أنه في حال وافقت المحكمة على طلب جنوب أفريقيا، فإنها تتمسك بالحصول على المهلة الزمنية نفسها (18 شهرا) لإعداد" تعقيبها".

بناء على ذلك، استجابت المحكمة للمقترحين، وثبتت التواريخ التالية: 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2027: الموعد النهائي لتقديم جنوب أفريقيا مذكرتها الجوابية (الرد).

و22 مايو/أيار 2029: الموعد النهائي لتقديم إسرائيل لمذكرتها التعقيبية.

إن هذه الوقائع تصحح سردية شائعة مغلوطة مفادها أن القضية كانت قاب قوسين أو أدنى من صدور حكم نهائي في الموضوع، أو أن جلسات الإثبات الشفهية كانت وشيكة.

الحقيقة القانونية هي أن الدعوى كانت، وما زالت، غارقة في مرحلة المرافعات الكتابية السرية.

وما تم تأجيله وترحيله هو استكمال البنية الإجرائية وصياغة الدفوع، وليس جلسات الفصل الموضوعي.

غير أن هذه الدقة الفنية لا تقلل إطلاقا من خطورة الأثر العملي؛ فالقول بأن استكمال الجولة الكتابية يحتاج إلى عام 2029، يعني بالضرورة أن المحكمة لن تبدأ في جدولة الجلسات الشفهية العلنية، ومن ثم المداولات، إلا في أواخر 2029، أو مطلع 2030، مما يضع القضية برمتها في مسار زمن ممتد يهدد فكرة" العدالة الناجزة" في الصميم.

ثانيا: شواهد تاريخية على سيكولوجية البطء في القضاء الدوليإن دراسة تاريخ محكمة العدل الدولية تكشف أن قرار التمديد الحالي لعام 2029 ليس بدعا قضائيا، بل هو جزء من نمط هيكلي وسيكولوجية متبعة في النزاعات الدولية الكبرى، حيث يستخدم البطء الإجرائي كآلية لامتصاص الصدمات السياسية وتبريد الأزمات.

ولعل استعراض بعض القضايا التاريخية المشابهة يسلط الضوء على هذا الأثر التدبيري:قضية الإبادة الجماعية في البوسنة ضد صربيا (1993-2007)تعتبر هذه القضية النموذج الأبرز لبطء المحاكمات الدولية وأثره المدمر.

تقدمت البوسنة والهرسك بدعواها ضد جمهورية يوغسلافيا الاتحادية (صربيا والجبل الأسود) في مارس/ آذار 1993، متهمة إياها بانتهاك اتفاقية منع الإبادة الجماعية.

استغرقت المحكمة أربعة عشر عاما كاملة لإصدار حكمها النهائي في الموضوع عام 2007.

خلال هذه السنوات الطويلة، استمرت المذابح على الأرض، ووقعت مجزرة" سربرنيتسا" الشهيرة عام 1995، والملف بين يدي المحكمة، وتغيرت الخارطة السياسية، وتفككت الدولة المدعى عليها نفسها.

وعندما صدر الحكم في النهاية، كان العديد من الضحايا قد قضوا، وتغيرت النخب الحاكمة، مما أفقد الحكم جزءا كبيرا من أثره الردعي المباشر، وتحولت العدالة إلى وثيقة تاريخية أكثر منها أداة حماية فورية.

قضية تطبيق اتفاقية الإبادة الجماعية (كرواتيا ضد صربيا 1999-2015)رفعت كرواتيا دعواها عام 1999، وردت صربيا بدعوى مضادة عام 2010.

ولم تصدر محكمة العدل الدولية حكمها النهائي برفض الدعويين إلا في فبراير/شباط 2015؛ أي بعد ستة عشر عاما من تقديم الطلب الأصلي.

هذه المدد الفلكية تكشف كيف تتعامل المحكمة مع قضايا الإبادة الجماعية بصفتها نزاعات قانونية باردة، متجاهلة الطبيعة الساخنة والملحة للجرائم المرتكبة.

وحتى في القضايا التي لا تتضمن مجازر بشرية، كقضايا الجرف القاري أو النزاعات الحدودية، تؤثر الآليات الإجرائية الكلاسيكية للمحكمة في إطالة أمد النزاع؛ لتكون العبرة المستخلصة من كافة هذه الشواهد التاريخية هي أن" الزمن القضائي الدولي" يختلف جوهريا عن" الزمن الإنساني"، فبينما يقاس الزمن في لاهاي بالشهور والسنوات لإعداد المذكرات وتبادل الدفوع، يقاس الزمن على الأرض بأعداد الضحايا، وحجم الدمار، وانهيار البنى التحتية للمجتمعات المحاصرة.

ثالثا: التوظيف السياسي لعامل الوقت وإعادة توزيع موازين القوةمن هنا، تنبثق قراءتنا النقدية لأمر المحكمة الأخير؛ فالقول بأن الإبطاء مجرد تدبير فني تطلبه الأطراف، هو تسطيح لواقع القانون الدولي.

إن القانون الدولي لا ينفصل عن السياسة وموازين القوة، بل هو في كثير من الأحيان تكثيف لها.

إن تمديد الإجراءات الكتابية حتى عام 2029 يمثل، من الناحية السياسية والإستراتيجية، إعادة توزيع للزمن لمصلحة الطرف الأقوى ميدانيا وعسكريا.

إسرائيل، عبر إغراق المحكمة بمذكرات مضادة ضخمة ومكتظة بالدفوع الشكلية والطعون الإجرائية في الاختصاص، نجحت في جر جنوب أفريقيا والمحكمة إلى" حرب استنزاف قانونية" طويلة المدى.

هذا التكتيك يهدف بالأساس إلى ترحيل النقاش الموضوعي حول وقوع الجريمة من عدمه إلى مستقبل بعيد، مما يمنح القوة القائمة بالاحتلال نافذة زمنية مريحة لإتمام عملياتها العسكرية، وإحداث التغيير الديمغرافي والجغرافي المطلوب على الأرض، دون خشية من صدور حكم موضوعي عاجل يدين سلوكها.

علاوة على ذلك، فإن سيكولوجية التمديد لعام 2029 تعمل على امتصاص وتبريد الإلحاح الأخلاقي والإنساني الذي صاحب اندلاع الأزمة.

فالرأي العام العالمي، والمؤسسات الدولية، تتحرك تحت وطأة الصدمة اللحظية للجرائم المصورة والموثقة.

ومع تحول القضية إلى ملفات قانونية سرية تتداول ببطء خلف الأبواب المغلقة في لاهاي، ينخفض منسوب الضغط السياسي والإعلامي، وتتحول الكارثة الإنسانية المستمرة إلى" نزاع قانوني فني قيد النظر"، وهو ما تسعى إليه القوى الدولية الداعمة للاحتلال، لا سيما الولايات المتحدة الأمريكية، التي تجد في هذا الإبطاء المؤسسي مخرجا دبلوماسيا يبعد القضية عن ذروة الاستقطاب الراهن.

وينبغي هنا تسجيل ملاحظة نقدية بالغة الأهمية تتعلق بمسؤولية الأطراف: إن محاولة بعض الأوساط القانونية أو الإعلامية تحميل جنوب أفريقيا مسؤولية هذا التأخير لمجرد أنها هي من طلبت مهلة الـ 18 شهرا للرد، هي محاولة قاصرة وتجافي الحقيقة الإجرائية.

فجنوب أفريقيا لم تطلب هذه المهلة ترفا، بل أجبرت عليها إجرائيا للتمكن من فك وتركيب الدفوع الإسرائيلية المعقدة والضخمة التي أودعت متأخرة بعد تمديدين متتاليين.

وبالتالي، فإن المحكمة، باستجابتها لشرط إسرائيل بمنحها مهلة مماثلة للتعقيب، قد ساوت بين الضحية والجاني في المنفعة الزمنية، بل جعلت من تكتيكات التسويف الإسرائيلية حقا مكتسبا يمتد لسنوات.

رابعا: معضلة الفاعلية وغياب آليات التنفيذ الفورييضعنا هذا التطور أمام الإشكالية البنيوية الأعمق في منظومة محكمة العدل الدولية، وهي المفارقة بين" إلزامية القرارات" و" عدم قابليتها للتنفيذ الفوري".

من الناحية القانونية الصرفة، لا يعني قرار التمديد لعام 2029 سقوط الدعوى أو تجميدها؛ فالملف لا يزال مفتوحا، وحيوية القضية تتغذى من استمرار تدخلات الدول الثالثة (وفق المادة 63 من النظام الأساسي للمحكمة).

والأهم من ذلك، أن التدابير المؤقتة التي أصدرتها المحكمة في قراراتها السابقة تظل قائمة ونافذة وملزمة قانونا على الطرف المدعى عليه.

ولكن، ما هي القيمة القانونية والعملية لتدابير مؤقتة ملزمة، إذا كانت المحكمة تفتقر تماما إلى" أذرع تنفيذية" جبرية ترغم الدول على الانصياع لها؟ إن ميثاق الأمم المتحدة، ولا سيما المادة (94)، يربط تنفيذ أحكام محكمة العدل الدولية بمجلس الأمن، حيث تصطدم العدالة غالبا بحسابات الفيتو وموازين القوى.

في ظل هذا الشلل التنفيذي، يتغير المفهوم القانوني لعامل الوقت؛ فحينما تكون المحكمة بصدد قضايا إبادة جماعية، لا يعود الوقت مجرد ترف إجرائي أو مهلة لصياغة المذكرات، بل يصبح عنصرا جوهريا من عناصر الحق في الحياة.

عندما تتقدم المذكرات القانونية السلحفاتية في لاهاي بالسنوات، وتتقدم العمليات العسكرية بالدقائق والساعات لتفتك بالمدنيين وتدمر مقومات حياتهم، فإن المحكمة تتحمل- بصمتها الإجرائي- جزءا من المسؤولية الأدبية عن اتساع الفجوة بين النص القانوني والواقع الإنساني.

إن تمديد الجدول الزمني لعام 2029 يضع مصداقية محكمة العدل الدولية أمام اختبار مصيري، حيث تحولت الشكليات الإجرائية المفرطة إلى وسيلة لتسويف المحاسبة وتحصين الأقوياء بدلا من حماية المستضعفين.

ويثبت هذا المنعطف أن العدالة لا تختزل في معايير فنية، فبين منطق الشكليات الجوفاء وموازين القوى السياسية، يدفع الضحايا في الأراضي الفلسطينية المحتلة الثمن الأقسى من دمائهم تحت وطأة هذا البطء.

فالعدالة التي تتأخر حتى عام 2029، بعد إبادة الأرض وبنيتها، لن تكون ناجزة بل مجرد إدانة أخلاقية لاحقة لفرصة ضائعة آثر فيها القانون إنقاذ الإجراء على حساب إنقاذ الإنسان.

لذا، تظل المعركة قائمة وتستوجب من النخب والدول الداعمة عدم الارتهان لزمن المحكمة، والبحث فورا عن مسارات سياسية واقتصادية موازية تفرض المساءلة قبل فوات الأوان.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك