غالبا ما تقوم الطبيعة بإصلاح ما أفسدته الطبيعية نفسها بل ولعلها في فيضان نهر الفرات مؤخرا كانت بمثابة العطار الذي أصلح ما أفسده دهر من الجفاف والملوحة وانخفاض منسوب المياه.
بعد عقود من الغموض.
دراسة تحل أخيرا لغز تشكل نهر الفراتهذا ما كشفت عنه البيانات المخبرية والمؤشرات البيئية الصادرة عن الجهات الرسمية في محافظة دير الزور والتي تحدثت عن تحسن ملحوظ في الخصائص الفيزيائية والكيميائية لمياه نهر الفرات والتربة المحيطة به، وذلك عقب الفيضانات الأخيرة التي أحدثت تغييرات إيجابية على المستويين البيئي والزراعي كما يؤكد الخبراء المعنيون.
ووفقا لسجلات المؤسسة العامة لمياه الشرب فقد طرأ انخفاض قياسي على معدلات التلوث والملوحة بسبب تدفق كميات كبيرة من المياه المتجددة التي ساهمت في غسيل مجرى النهر وإعادة التوازن البيئي للقطاع الزراعي بعد سنوات طويلة من انخفاض منسوب المياه في سريره.
وكشفت الفحوصات الدورية التي قامت بها مختبرات مؤسسة المياه عن وجود تراجع حاد في نسب المواد الكيميائية المذابة ضمن شوارد المياه لتصل إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 16 عاماً.
وفي هذا السياق أكدت رئيسة دائرة التحليل والتعقيم في مؤسسة المياه، آيات حمّادة، في تصريحات إعلامية أن تكثيف التحاليل المخبرية منذ بداية الفيضان كشف عن انخفاض قياسي في قيم الأملاح من مستويات تراوحت بين 800 و900 درجة إلى 300 درجة فقط.
كما تراجعت معدلات الكبريتات من 250 و220 درجة إلى ما بين 55 و50 درجة، مشيرة إلى أن هذه النتائج تمثل" مؤشرات إيجابية لم تشهدها سجلات المحافظة منذ عام 2010".
نهر الفرات يفيض على سوريا ويتسبب بالكوارث.
أي دور لتركيا؟ (فيديو)الصدمة الإيجابية انسحبت كذلك على الصعيدبن الزراعي والبيئي فقد عمل الفيضان على تطهير التربة في حوض الفرات بعد سنوات طويلة من تراكم الأملاح الأمر الذي أعاد الخصوبة الطبيعية للأراضي المتاخمة لسرير النهر.
وأوضح عضو المكتب التنفيذي لقطاع الزراعة، ياسر عبوش أن الفيضان السنوي للنهر يمثل الحالة الصحية الطبيعية له نظرا لدوره المباشر في إعادة التنوع الحيوي للأحياء المائية.
وأضاف: إن الطمي الغني بالعناصر المعدنية الذي حملته المياه يعد مرمما طبيعيا للأراضي الزراعية ويسهم في تحسين إنتاجيتها.
ووفقا للتقارير الفنية الميدانية فإن فيضان نهر الفرات حقق فوائد هيدرولوجية وبيئية متعددة شملت تطهير المجرى المائي وإعادة التنوع الحيوي لحوض النهر من خلال إنعاش مجتمعات الأسماك والكائنات الحية.
وحسب عبوش فإن" تدفق المياه القوي نجح في جرف الترسبات المتراكمة في القاع والضفاف وشمل ذلك التخلص من الأشنيات والطحالب والفضلات الراكدة".
ولم تقتصر الآثار الإيجابية للفيضان على النهر والتربة فحسب بل تجاوزتها إلى المياه الجوفية إذ ساهم ارتفاع منسوب المياه في تغذية المخزون الجوفي وتحسين كفاءة الآبار الإرتوازية القريبة من سرير النهر.
المهندس الزراعي وحيد الساتر أكد في حديثه لـ RT أن ما يظهر من اختلالات طبيعية ناتجة عن الفيضانات وما يترتب عليها من تدمير للمحاصيل الزراعية وصولا إلى غرق البيوت المتاخمة لسرير الأنهار هو في حقيقته إعادة التوازن لإيقاع الطبيعة التي تعمل بنفسها ووفق منظومته الخاصة على ترميم كل حالة التهالك التي حصلت خلال سنوات الجفاف الطويلة التي ضربت سوريا.
وأضاف الساتر أن ما حصل من طوفان لنهر الفرات على ما تسبب به من أضرار أعاد للنظم البيئية والزراعية حيويتها الطبيعية ومنع وصولها إلى حالة الموت السريري التي يتوقف عندها العطاء المستدام لهذه النظم وما حصل ببساطة هو أن الطبيعة في منطقة حوض الفرات أعادت تصحيح مسارها بما يخدم الإنسان القاطن في هذه المنطقة خصوص وفي سوريا والمنطقة عموماً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك