تصدعات في التحالف: لماذا يدق البنتاغون ناقوس الخطر بشأن التجسس الإسرائيلي؟لطالما وصفت العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل بأنها شراكة إستراتيجية راسخة لا تتزعزع.
ومع ذلك، وتحت غطاء العروض العلنية للوحدة الدبلوماسية، يتسع شرخ مؤسسي كبير بين الطرفين.
إذ تشير التسريبات الاستخباراتية والتقارير الاستقصائية الأخيرة إلى أن البنتاغون بات ينظر إلى إسرائيل بوصفها تهديدا متزايدا وحرجا للأمن المضاد.
وقد رفعت وكالة استخبارات الدفاع الأمريكية (DIA) مؤخرا مستوى التهديد التجسسي الإسرائيلي إلى الدرجة" الحرجة"، وهي خطوة أحدثت هزات ارتدادية داخل مؤسسة الأمن القومي الأمريكي، وأضفت تحولا دراماتيكيا على مقاربة العلاقة بين الحليفين.
في عالم الجيوسياسية، يعد تجسس الحلفاء على بعضهم بعضا سرا مكشوفا؛ إذ تراقب الأجهزة الاستخباراتية الحكومات الصديقة باستمرار لاستباق التحولات في مواقفها وسياساتهاإننا لا نتحدث هنا عن تحذير مبهم أو عام؛ فالتقارير الأخيرة تكشف عن عمليات إستراتيجية محددة للغاية استهدفت كبار المسؤولين الأمريكيين.
ويشير المحللون إلى أن عملاء الاستخبارات الإسرائيلية استهدفوا بشكل مكثف شخصيات بارزة داخل أجهزة الدفاع والدبلوماسية الأمريكية، وكان من بين المستهدفين مستشارون ومفاوضون رفيعو المستوى يضطلعون بصياغة الإإستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط.
ويبدو أن الهدف الرئيسي لهذه العمليات هو جمع بيانات حساسة تتعلق بالمداولات السياسية الداخلية للولايات المتحدة.
فقد رصدت العمليات الإسرائيلية المناقشات المتعلقة بالتسويات الدبلوماسية المحتملة مع إيران والإستراتيجيات العسكرية في لبنان.
ووفقا لمصادر استخباراتية، فإن حجم هذه الأنشطة أجبر المسؤولين الأمريكيين على اتخاذ احتياطات غير مسبوقة؛ حيث صدرت توجيهات للمسؤولين المسافرين إلى المنطقة باستخدام هواتف مؤقتة (Burner Phones) وتجنب مناقشة قضايا الدولة الحساسة داخل غرف الفنادق.
وتكشف هذه الإجراءات عن أزمة ثقة عميقة بين دولتين تتبادلان عادة معلومات استخباراتية حيوية.
تجاوز خطوط" التجسس الودي"في عالم الجيوسياسية، يعد تجسس الحلفاء على بعضهم بعضا سرا مكشوفا؛ إذ تراقب الأجهزة الاستخباراتية الحكومات الصديقة باستمرار لاستباق التحولات في مواقفها وسياساتها.
بيد أن التقييم الأخير للبنتاغون يشير إلى أن إسرائيل قد تجاوزت العتبة المقبولة، حيث يمثل الانتقال من جمع المعلومات الروتيني إلى عمليات أكثر هجومية تستهدف الأمن المضاد على مستويات رفيعة تصعيدا خطيرا.
وما يزيد المشهد تعقيدا هو توقيت هذه التكشفات؛ فقد رصدت الأنشطة التجسسية في فترة تشهد توترا حادا خلف الكواليس بين واشنطن وتل أبيب.
وبينما تؤكد التصريحات العلنية للحكومتين على التطابق التام، فإن النقاشات السياسية الداخلية تروي قصة مغايرة تماما.
فالولايات المتحدة تسعى بهدوء إلى إستراتيجيات لخفض التصعيد الإقليمي، في حين تدفع إسرائيل نحو تبني نهج عسكري أكثر عدوانية.
ومن خلال التجسس على المفاوضين الأمريكيين، سعت إسرائيل إلى تحقيق مكاسب إستراتيجية، إذ أتاح لها الاطلاع المسبق على بعض التوجهات الأمريكية فرصة التأثير في المبادرات الدبلوماسية أو محاولة توجيهها قبل طرحها رسميا.
الردود الدبلوماسية تبدو أقل إقناعا في ضوء ما يتردد عن وجود وثيقة داخلية مفصلة من 7 صفحات أعدتها وكالة استخبارات الدفاع، ومدعمة بخرائط ورسوم بيانية ترصد حوادث مراقبة محددةلم تتوقف التداعيات السياسية لهذه الأزمة الاستخباراتية عند حدود الغرف المغلقة، بل امتدت لتلقي بظلالها مباشرة تحت قبة الكونغرس الأمريكي.
ويتزامن الكشف عن هذه العمليات مع النقاش السنوي حول قانون تفويض الدفاع الوطني (NDAA) للسنة المالية 2027.
ويحتوي مشروع القانون على بنود تهدف إلى تعميق التعاون التكنولوجي بين البلدين، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي، وتصنيع أشباه الموصلات، وأنظمة الدفاع الصاروخي.
إلا أن البنتاغون بات يستخدم تقييمه الحرج للتهديدات الأمنية لتحدي بعض هذه الخطط.
إذ يرى مسؤولو الدفاع أن نقل تقنيات شديدة الحساسية إلى حليف يتهم باستهداف صانعي السياسات الأمريكيين يمثل مخاطرة أمنية كبيرة.
كما تخشى المؤسسة العسكرية من احتمال تسرب أسرار دفاعية أو إعادة توظيف بعض التقنيات خارج الأطر المتفق عليها.
وبناء على ذلك، تدور حاليا معركة بيروقراطية شرسة بين المشرعين في الكابيتول وأجهزة الاستخبارات التابعة للبنتاغون.
وكما كان متوقعا، جاء الرد العلني من الجانبين نموذجا كلاسيكيا لإدارة الأزمات الدبلوماسية واحتوائها.
فقد أصدرت الحكومة الإسرائيلية نفيا سريعا وقاطعا، ووصفت الاتهامات بأنها عارية تماما عن الصحة، مؤكدة أنها لا تدير عمليات تجسس داخل الولايات المتحدة، ومستندة إلى الاتفاقيات الثنائية القائمة.
وفي المقابل، أصدر البيت الأبيض بيانا صيغ بعناية للتقليل من حجم الأزمة، مؤكدا أن الشراكة الإستراتيجية بين البلدين لا تزال قائمة.
غير أن هذه الردود الدبلوماسية تبدو أقل إقناعا في ضوء ما يتردد عن وجود وثيقة داخلية مفصلة من 7 صفحات أعدتها وكالة استخبارات الدفاع، ومدعمة بخرائط ورسوم بيانية ترصد حوادث مراقبة محددة.
وهو ما يشير إلى أن القضية تتجاوز مجرد خلاف عابر، وتمثل أزمة مؤسسية حقيقية داخل المنظومة الأمنية الأمريكية.
تعكس رغبة البنتاغون في توثيق هذه الانتهاكات أو تسريبها حرص المؤسسة على وضع حدود واضحة للعلاقة.
وهي رسالة مفادها أن التحالف السياسي لا يمنح أي دولة تفويضا مطلقا لتجاوز الخطوط الحمراء المتعلقة بالأمن القومي الأمريكيبعيدا عن كونها مجرد أزمة دبلوماسية عابرة، تمثل هذه القضية تحولا مهما في كيفية نظر المؤسسة العسكرية الأمريكية إلى علاقاتها الإإستراتيجية.
فلعقود طويلة، تمتعت إسرائيل بمكانة استثنائية داخل واشنطن، وحظيت بدعم سياسي وعسكري شبه غير مشروط.
لكن جيلا جديدا من محللي الاستخبارات والمخططين العسكريين بات يتبنى مقاربة أكثر براغماتية، تنطلق من اعتبارات الأمن القومي والمصلحة الوطنية المباشرة أكثر من الاعتبارات التقليدية.
وتعكس رغبة البنتاغون في توثيق هذه الانتهاكات أو تسريبها حرص المؤسسة على وضع حدود واضحة للعلاقة.
وهي رسالة مفادها أن التحالف السياسي لا يمنح أي دولة تفويضا مطلقا لتجاوز الخطوط الحمراء المتعلقة بالأمن القومي الأمريكي.
ومع إعادة الولايات المتحدة ترتيب أولوياتها العالمية، يبدو أن تكلفة التغاضي عن أنشطة تجسسية عدوانية – حتى من قبل الحلفاء – أصبحت أعلى من السابق.
يعكس تصنيف البنتاغون للتهديد التجسسي الإسرائيلي بأنه" حرج" تحولا لافتا في نظرة المؤسسة الأمنية الأمريكية إلى أحد أقرب حلفائهاأما على مستوى الشرق الأوسط، فإن هذا الشرخ المتنامي قد ينعكس على ديناميكيات الدبلوماسية الإقليمية.
فإذا نجح البنتاغون في فرض قيود أكبر على مشاركة التكنولوجيا أو الحد من تدفق بعض المعلومات الاستخباراتية رفيعة المستوى إلى تل أبيب، فقد تواجه إسرائيل قيودا عملياتية حقيقية في بعض الملفات.
كما أن الخصوم الإقليميين يراقبون هذه التطورات عن كثب، إذ إن أي مؤشرات على تراجع مستوى الثقة بين واشنطن وتل أبيب تضعف الصورة التقليدية للتحالف بوصفه كتلة متماسكة بالكامل.
في المحصلة، يعكس تصنيف البنتاغون للتهديد التجسسي الإسرائيلي بأنه" حرج" تحولا لافتا في نظرة المؤسسة الأمنية الأمريكية إلى أحد أقرب حلفائها.
وبينما ستستمر القيادات السياسية في البلدين في التأكيد على متانة العلاقة الإستراتيجية، فإن مؤشرات التوتر داخل المؤسسات الأمنية تبدو أكثر وضوحا من أي وقت مضى.
إنها لحظة اختبار حقيقية لتحالف طالما وصف بأنه غير قابل للاهتزاز.
وقد لا تظهر نتائج هذا الاختبار فورا، لكنها ستترك أثرا عميقا في شكل التعاون الاستخباراتي والعسكري بين الطرفين خلال السنوات المقبلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك