دخلت إسرائيل والولايات المتحدة – أو بالأحرى ترامب ونتنياهو – الحرب ضد إيران معًا، لكنهما خرجتا منها متباعدتين تمامًا.
وخلافًا للتوقعات، لم تشارك إسرائيل إطلاقاً في صياغة الاتفاق مع إيران، الذي تُثير بنوده قلقًا بالغًا.
والأهم أن إسرائيل تجد نفسها معزولة على الساحة الإقليمية والدولية، مع خطر حقيقي يتمثل في أن تصبح دولة منبوذة.
لقد تفاقمت عملية “عزل” إسرائيل مع ازدياد تعقيد الحرب مع إيران وعدم تحقيقها النتائج المرجوة المتمثلة في إسقاط النظام.
اكتشف ترامب أن تقارب نتنياهو كان مجرد “عناق زائف”.
وهكذا، خلال المفاوضات مع إيران، عقد ترامب مؤتمرًا هاتفيًا مع قادة السعودية وباكستان والإمارات وقطر والبحرين وتركيا ومصر والأردن.
القاسم المشترك بين هذه الدول هو تحالفها مع الولايات المتحدة، ودورها المحوري في سياسات الشرق الأوسط، وتأثرها أو تضررها من الحرب.
أما إسرائيل، التي تنطبق عليها جميع هذه المعايير، فلم تكن حاضرة.
بدلاً من ذلك، حافظ ترامب على اتصال مباشر مع نتنياهو لضمان قبول إسرائيل للاتفاق.
حتى إن العديد من القادة العرب دُعوا إلى قمة مجموعة السبع في باريس، لكن إسرائيل لم تُدعَ.
تُبرز هذه التحركات التراجع الذي طرأ على مكانة إسرائيل في الشرق الأوسط عقب أحداث 7 أكتوبر وجولات الحرب ضد إيران.
لهذا التراجع جانبان: أولهما، أن إسرائيل ليست شريكة في جميع التحركات الأمريكية، التي فُرض بعضها عليها بشكل مفاجئ.
وثانيهما أن إسرائيل ليست شريكة في المشاورات الإقليمية المشتركة.
وهكذا، عادت إسرائيل إلى حد كبير إلى الفترة التي سبقت توقيع اتفاقيات إبراهيم عام 2020، حين كانت معظم اتصالاتها مع دول المنطقة – بما فيها مصر والأردن اللتان وقعتا اتفاقية سلام – تُجرى في الخفاء.
لا تزال الدول العربية ترغب في إسرائيل، ولكن سرًا.
وقد وُقعت اتفاقيات أبراهام قبل ست سنوات فقط، إلا أنها غيّرت جذريًا علاقات إسرائيل مع بعض دول المنطقة.
فقد أصبحت العلاقات مع الإمارات والمغرب والبحرين علنية، وشملت جوانب كانت سرية سابقًا، مثل التعاون العسكري والمشتريات العسكرية وغيرها.
علاوة على ذلك، لم يقتصر التعاون على الجوانب الحكومية والعسكرية والاستخباراتية فحسب، بل شمل أيضاًعناصر المجتمع المدني، ما أدى إلى ظهور أولى بوادر التطبيع الكامل – ما يُطلق عليه الإسرائيليون “السلام الدافئ”.
كما أدى توقيع اتفاقيات أبراهيم في أوائل عام 2021 إلى نقل إسرائيل من القيادة الأوروبية الأمريكية (EUCOM) إلى القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM).
أتاحت هذه الخطوة التعاون – بعضه علني وبعضه سري – بين إسرائيل وبعض الدول العربية الأعضاء في القيادة، بما فيها السعودية، التي لم تكن منضمة إلى اتفاقيات أبراهيم.
ويصعب تصور جولات الحرب ضد إيران دون هذا التعاون.
كما أرست اتفاقيات أبراهيم الأساس لثلاث مبادرات سياسية واقتصادية تربط إسرائيل علنًا بالمنطقة: أولاها منتدى النقب، الذي تأسس في آذار 2022، وجمع في “سديه بوكير” وزراء خارجية الولايات المتحدة وإسرائيل ومصر والإمارات والمغرب والبحرين.
وكان الهدف من فرق العمل التي شُكّلت في إطار المنتدى هو دعم مشاريع مدنية متنوعة.
وكان من المقرر عقد الاجتماع الثاني في المغرب، لكن أنشطته عُلّقت عقب الحرب.
وأُعلن عن المبادرة الثانية في تموز 2022، بمشاركة الولايات المتحدة وإسرائيل والهند والإمارات (وتُعرف اختصارًا بـ U2I2 وهو اختصار لاسم الدول الأربع مضروبًا في اثنين)، وتهدف إلى التعاون في مجالات الأمن الغذائي والطاقة النظيفة والمياه والنقل والصحة والفضاء والتكنولوجيا.
أما المبادرة الثالثة، فقد أطلقت في أيلول 2023، قبل شهر من هجوم حماس، وتتمحور حول إنشاء ممر يربط الهند بأوروبا عبر الإمارات والسعودية والأردن وإسرائيل.
وتشمل الخطة إنشاء بنية تحتية مادية كالسكك الحديدية والطرق ومرافق الطاقة، وبناء الموانئ، ومدّ كابلات الاتصالات.
ترامب يُدير الشرق الأوسط.
دون إسرائيلفي نواحٍ عديدة، فتحت اتفاقيات أبراهيم عهدًا جديدًا.
إلا أن هجوم حماس وتقلبات الحرب ضد إيران أعادت الوضع إلى ما كان عليه في السابق.
ويبدو هذا التطور مفاجئًا، إذ لا تزال إسرائيل والعديد من دول المنطقة تتشارك في أعداء مشتركين، مثل إيران وحماس وحزب الله والإخوان المسلمين وتنظيم داعش وحركة الجهاد الإسلامي وغيرها.
لكن يرى كثيرون أن الرد الإسرائيلي كان قاسياً للغاية، وأدى إلى مقتل أبرياء في غزة (ويعتبره البعض “إبادة جماعية”).
ويُنظر إلى احتلال الأراضي في غزة ولبنان وسوريا على أنه جزء من مخطط لتوسيع رقعة إسرائيل، بينما يُنظر إلى الهجوم على قطر على أنه سلوك مُتنمر إقليمي وليس فاعلاًيسعى للحفاظ على الاستقرار الإقليمي.
علاوة على ذلك، لا تُعتبر تصرفات إسرائيل في الضفة الغربية مجرد جنون حفنة من المستوطنين المتطرفين، بل هو تعبير عن سياسة حقيقية لحكومتها، التي تسعى إلى ضم هذه الأراضي، وعلى أي حال معارضة أي تسوية سياسية مع الفلسطينيين.
كان أبرز مثال على عملية الانسحاب هو ما حدث مع الإمارات، الداعم الأبرز لإسرائيل خلال الحرب، بل والداعم الوحيد لها تقريبًا.
ويُظهر إصرارها على إبقاء زيارة نتنياهو سرية مدى الخوف من التماهي العلني الصريح مع هذه الحكومة وزعيمها تحديدًا.
كما فقدت إسرائيل مكانتها الخاصة كقوة قادرة – بمفردها أو عبر اللوبي اليهودي – على مساعدة بعض الدول في تعزيز علاقاتها مع الولايات المتحدة.
لكن معظم هذه الدول طورت قنوات اتصال مستقلة ومباشرة مع ترامب، ما جعل الحاجة إلى إسرائيل غير ضرورية.
وبعد الإنجازات التي حققتها إسرائيل في الحرب، باتت دول المنطقة تُقرّ بقدراتها العسكرية والتكنولوجية، لكنها تُفضّل التعامل معها سرًا لا علنًا.
وبهذا، عادت إسرائيل إلى وضع “العشيقة” الذي ميّزها قبل اتفاقيات إبراهيم.
ويُعدّ الوضع في لبنان استثناءً هامًا، إذ فتح الباب أمام نقاش عام حول الحفاظ على العلاقات مع إسرائيل.
ويجب النظر إلى هذا التطور، بطبيعة الحال، في سياق ضعف حزب الله بعد جولات الحرب.
إن الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران يعزز حاجة إسرائيل الملحة للمضي قدماً في المسار اللبناني.
إن تضرر مكانة إسرائيل على الساحة الإقليمية والدولية ليس بالضرورة عملية لا رجعة فيها، ولكن لتغيير هذا الوضع، يتعين على إسرائيل تغيير سياستها.
لا يمكنها تغيير موقفها تجاه إيران، لكن ساحات الصراع في سوريا ولبنان وغزة توفر فرصًا سياسية عديدة قد تُحسّن وضعها الإقليمي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك