ليس أخطر الأوغاد أولئك الذين نراهم قادمين من بعيد، بل أولئك الذين نجلس معهم على مائدة الثقة، ونفتح لهم أبواب أرواحنا بأيدينا، ثم نكتشف متأخرين أنهم كانوا يحملون مفاتيح الخراب منذ اللحظة الأولى.
الغريب في الأمر أن الوغد لا يقتحم حياتك كما يفعل اللصوص، بل يُدعى إليها يدخل من باب الودّ، ويجلس في مقعد الطمأنينة، ويتحدث بلهجة مألوفة تجعلك تظن أنك تعرفه منذ سنوات لا يترك أحذيته عند الباب فحسب، بل يترك جزءًا من ظله في كل زاوية، حتى إذا رحل بقي الظل وحده شاهدًا على ما حدث.
بعض البشر يمتلكون موهبة نادرة موهبة الأذى دون ضجيج لا يرفعون أصواتهم، ولا يعلنون الحرب، ولا يلوحون بأسلحتهم في وجه أحد إنهم أكثر ذكاءً من ذلك.
يفضلون أن يتركوا الجرح مفتوحًا وأن يغادروا قبل أن ينزف.
الوغد الحقيقي لا يكذب دائمًا، لكنه يقول نصف الحقيقة لا يخون دائمًا، لكنه يترك الباب مواربًا للخيانة لا يرحل تمامًا، ولا يبقى تمامًا يعيش في تلك المنطقة الرمادية التي تجعل الآخرين أسرى للأسئلة: هل كان صادقًا؟ هل كان يحب؟ هل كان يقصد ما فعل؟ وهل كان يمكن أن يكون شخصًا أفضل لو أراد؟وربما لهذا السبب يبقى أثره طويلًا فالبشر ينسون الإساءة المباشرة أسرع مما ينسون الخيبة الشتيمة تُنسى، أما الخذلان فيبقى عالقًا في الذاكرة كشوكة صغيرة لا تُرى لكنها تؤلم كلما لامستها الأيام.
الأوغاد ليسوا فئة محددة من الناس، ولا ملامح يمكن التعرف عليها بسهولة قد يكون أحدهم صديقًا، أو حبيبًا، أو زميلًا، أو حتى شخصًا ظننته يومًا ملاذًا من قسوة العالم إنهم أولئك الذين يتقنون أخذ المساحات التي لا يحق لهم امتلاكها، ثم يرحلون تاركين أصحابها يبحثون عن أنفسهم بين الأنقاض.
لكن المفارقة الأكثر قسوة أن الأوغاد لا يسرقون أعمارنا فقط، بل يسرقون براءتنا أيضًا بعدهم لا نعود كما كنا.
نصبح أكثر حذرًا، أقل اندفاعًا، وأكثر ميلًا لاختبار النوايا قبل تصديق الكلمات.
وكأنهم يمرون من حياتنا ليأخذوا شيئًا ثمينًا ويتركوا مكانه درسًا باهظ الثمن.
ومع ذلك، يبقى في الأمر عزاء خفي فالأوغاد، على قسوتهم، يكشفون لنا حقيقة لا نتعلمها إلا متأخرين: أن القلوب الطيبة لا يكفيها أن تكون طيبة، بل عليها أن تكون حكيمة أيضًا.
وأن الثقة كنز لا ينبغي توزيعه بالمجان.
وأن بعض الوجوه الجميلة ليست سوى أغلفة أنيقة لقصص أقل جمالًا مما تبدو عليه.
هكذا يعبر الأوغاد حياتنا لا كأبطال في الحكاية، بل كفصول مؤلمة فيها فصول نتمنى لو لم نقرأها أبدًا، ثم نكتشف لاحقًا أنها كانت السبب في أن نفهم الكتاب كله.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك