مع نشر النص الكامل لمذكرة التفاهم بين طهران وواشنطن، تتصدر التحديات التنفيذية المشهد، في ظل مخاوف من تباين التفسيرات لاتفاق ولد في ظل إرث تاريخي من انعدام الثقة بين الطرفين.
فبينما كان الاتفاق على نصوص المذكرة خطوة أولى، يظل الاختبار الحقيقي في قدرة الطرفين على تحويل هذه البنود إلى واقع ملموس، بعيداً عن تعقيدات التطبيق التي غالباً ما تفوق تعقيدات الصياغة.
وكانت مسألة لبنان وإدراجها ضمن وقف الحرب من أبرز التحديات والإشكاليات التي واجهت التوصل إلى هذا التفاهم.
غير أنه، بعد التوصل إليه وورود ذكر لبنان فيه، يبرز السؤال: ما المكانة التي يحتلها لبنان والحرب الدائرة على أراضيه في هذا الاتفاق؟ وإلى أي مدى عولجت هذه المسألة فيه بصورة واضحة وصريحة؟ خاصة في ظل الرفض الإسرائيلي الامتثال لما يتضمنه الاتفاق بشأن لبنان.
ورد اسم لبنان ثلاث مرات في مذكرة التفاهم، وجميعها في البند الأول منها.
أولاً، في تأكيد أن الطرفين الإيراني والأميركي وحلفاءهما يتعهدون بإعلان" الإنهاء الفوري والدائم" للعمليات العسكرية في جميع الجبهات، بما فيها لبنان.
ثانياً، في البند نفسه، يتعهد الطرفان الأميركي والإيراني بضمان وحدة أراضي لبنان وسيادته الوطنية.
ثالثاً، في نهاية هذا البند، يذكر أن الاتفاق النهائي، الذي من المقرر أن يتفاوض الطرفان للتوصل إليه خلال 60 يوماً، سيؤكد الإنهاء الدائم للحرب في جميع الجبهات، بما فيها لبنان.
وبمقارنة النصين الفارسي والإنكليزي للاتفاق، لم تلاحظ فروق جوهرية في هذا البند من حيث اللغة والمصطلحات الواردة فيه.
ففي النص الإنكليزي وردت العبارة: " the immediate and permanent termination of military operations" أي" الإنهاء الفوري والدائم للعمليات العسكرية"، وقد ورد المعنى نفسه حرفياً في النص الفارسي أيضاً.
لكن البند المرتبط بلبنان يحتوي على ثغرات، فعلى الرغم من ذكر أن طهران وواشنطن و" حلفاءهما في الحرب الحالية" يوقعون هذا الاتفاق لإعلان" إنهاء فوري ودائم" للعمليات العسكرية في جميع الجبهات، بما فيها لبنان، لم يرد أي ذكر لإسرائيل أو حزب الله، واقتصر الأمر على المصطلح العام" حلفاء" الولايات المتحدة وإيران.
وفي ظل إصرار إيران على مطلب إنهاء الحرب في لبنان، ربما كان من الأجدر أن ينص البند صراحة على التزام الطرف الأميركي بوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان، بيد أن الصياغة المعتمدة جاءت في إطار تعهد ثنائي عام.
كما أن البند المتعلق بلبنان في مذكرة التفاهم لا ينص على انسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي احتلتها في لبنان خلال الحرب.
كما أن هذا البند يحمل طابعاً سياسياً أكثر من كونه ذا ثقل قانوني، إذ إنه في القانون الدولي لا يمكن لدولة أن تتعهد بالنيابة عن طرف آخر.
فهنا تعهد الطرفان الأميركي والإيراني بالنيابة عن طرفين آخرين لم تتم تسميتهما، بإنهاء الحرب في بلد لم يكن طرفاً في الاتفاق.
كذلك، فإن عبارة" ضمان وحدة أراضي لبنان وسيادته الوطنية" عبارة عامة قد تحتمل تأويلات متعددة، إذ يطرح ذلك تساؤلات حول طبيعة الإجراءات التي تدل على ضمان هذه السيادة.
كما أنه، رغم أن وقف الحرب في لبنان إجراء محمود ويصب في مصلحة هذا البلد، يثير عدم كون لبنان طرفاً في الاتفاق تساؤلاتٍ حول مدى مواءمة ذلك مع احترام سيادته الوطنية، الذي ينص البند نفسه على ضمانه.
وقد يؤدي هذا التعميم مستقبلاً إلى تبادل الاتهامات بين الطرفين الإيراني والأميركي بعدم ضمان السيادة الوطنية اللبنانية، ومن هذه الثغرة قد تسعى الولايات المتحدة إلى تبرير استمرار الحرب الإسرائيلية على لبنان.
ورغم التأكيد في نهاية البند أن الاتفاق النهائي سيؤكد الإنهاء الدائم للحرب، قد تُلقي الضبابية التي تكتنف فرص التوصل إلى هذا الاتفاق بظلالها على هذا الأمر برمته.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك