فبعد 100 يوم من الحرب التي هزت المنطقة والعالم، وقعت الولايات المتحدة وإيران، أمس الأربعاء، اتفاقا مبدئيا من أجل التفاوض بشكل أعمق على كل القضايا العالقة بينهما بما فيها البرنامج النووي وأرصدة طهران المجمدة والعقوبات المفروضة عليها.
ولم يكن هذا الاتفاق وليد جهود عادية لكنه كان ثمرة جهود مضنية بذلها الوسطاء في باكستان وقطر، وبعد محاولات كثيرة لتقريب وجهات النظر والبحث عن مساحة يقبل الطرفان بالوقوف عليها.
كما لم يكن الاتفاق نتيجة وساطة هادئة، فقد تخللت هذه الوساطة التي استمرت شهرين تقريبا هجمات أحادية ومتبادلة، وجرت خلالها مواجهة إيرانية إسرائيلية سريعة بسبب هجوم إسرائيلي على ضاحية بيروت الجنوبية.
وبدأت الحرب نهاية فبراير/شباط الماضي ثم اتسعت وشهدت مواجهة مباشرة هي الأكبر بين إسرائيل وإيران قبل أن تصل واشنطن وطهران لمذكرة تفاهم يفترض أن تكون مقدمة لاتفاق أشمل وأطول مدى.
وكان مضيق هرمز هو الورقة التي جلبت الطرفين إلى طاولة المفاوضات بعدما أرهقت تداعيات إغلاقه كاهل الاقتصاد العالمي بوقف خُمس إمدادات العالم اليومية من الطاقة.
ومع ذلك، سيكون من باب التفاؤل القول إن هذه النتيجة التي انتظرها العالم ورحب بها تمثل نهاية الحرب لأنها ليست سوى توسيع لاتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في أبريل/نيسان الماضي مع زيادة التداعيات المترتبة عليها، برأي الدبلوماسية الأمريكية السابقة جنيفر غافيتو.
فالأمر -كما قالت غافيتو خلال مشاركتها في برنامج" من واشنطن" - ليس إلا محاولة لتخفيف تداعيات إغلاق مضيق هرمز على الاقتصاد العالمي خصوصا بعدما نظر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى الأضرار والوقائع التي أطالت أمد الحرب والتي" لم تكن لتغير الحسابات الإيرانية".
فالعملية لا تزال مستمرة إذن ولم تصل نهايتها، كما يقول المساعد السابق لوزير الخارجية الأمريكي ديفيد هيل، الذي قال إن ترمب وفريقه قرروا شن الحرب عندما تيقنوا من أن الإيرانيين لا يتفاوضون بحسن نية ثم قرروا العودة للمفاوضات بعدما حصلوا على ضمانات بإجراء مفاوضات جادة.
والأهم من ذلك -برأي هيل- أنه" سيكون من الصعب تمرير كافة الموضوعات المطروحة للنقاش خلال الستين يوما المقررة للتفاوض، وربما يتم تمديد هذه الفترة إذا سارت الأمور بشكل جيد".
صحيح أن إيران ستزعم أنها انتصرت في الحرب لكنها في الواقع لم تعد كما كانت قبل عام من الآن، برأي هيل، الذي يجزم بأنه" لا أحد يعرف ما الذي سيحدث خلال الفترة المقبلة".
أمريكا قوية ومستعدة للحربفالقوة الأمريكية بالمنطقة لا تزال كبيرة وهي وضعية تسمح لها بالهجوم وتوجيه ضربات قوية، بحسب العقيد والدبلوماسي الأمريكي السابق غرانت نيوشام، الذي قال إن الولايات المتحدة" لم تستخدم كل قوتها ولم تدمر كل ما كان يجب تدميره في إيران".
بل إن المتحدث يستغرب من عدم تدمير كثير من البنية التحتية العسكرية والمدنية في إيران، ويعزو ذلك إلى أن الرئيس ترمب" لا يحب استخدام القوة لأنه مفاوض بالأساس".
فهناك إذن منشآت للطاقة وللكهرباء كان يمكن ضربها وربما يتم ضربها إذا عاودت الولايات المتحدة الحرب، فضلا عن أن دول المنطقة شاركت بشكل لم يتم الحديث عنه في هذه الحرب التي يقول نيوشام إنها" كسرت السردية التي بقيت راسخة لسنوات عن عدم إمكانية ردع إيران".
فهذه السردية هي التي جعلت كافة الرؤساء الأمريكيين يحجمون عن ضرب إيران حتى جاء ترمب واتخذ القرار بهذه الحرب التي ربما جعلت بعض الدول تفكر في خيارات مختلفة، برأي نيوشام، الذي أقر بأن الحرب" انطوت على دروس يجب تعلمها وكشفت أمورا محرجة تتعلق بالتعامل مع المسيرات"، لكنه يرى أيضا أنها" أثرت في نهاية المطاف وخصوصا على الجانب النفسي المتعلق بعدم القدرة على المساس بإيران".
فقد كلفت العمليات العسكرية الولايات المتحدة 29 مليار دولار، وسقطت أو تضررت خلالها 42 طائرة ومروحية ومسيرة، وأُسقطت مروحية أباتشي فوق مضيق هرمز، وشهدت تنفيذ أول عملية إنقاذ قتالية عبر زورق مسير مدعوم بالذكاء الاصطناعي.
لكن هذا لا ينفي أن قدرات إيران العسكرية قد تضررت بشكل كبير، وأعيد برنامجها النووي للوراء بشكل لا يستهان به، وفق تعبير مدير مركز المصلحة الوطنية الأمريكي بول ساوندرز.
فالولايات المتحدة لديها قوات كبيرة في المنطقة ويمكنها استخدامها، برأي ساوندرز الذي قال إن المحك حاليا" هو المفاوضات المحددة بـ 60 يوما، لأن كلا الطرفين لا يمكنه إنهاء الملفات التي يريدها خلال هذه الفترة فضلا عن مدى التزام كل منهما بما عليه من التزامات".
و" لا أحد حاليا يعرف ما الذي سيحدث خلال الفترة المقبلة، لكن الجميع يدرك ما تكنه إيران لجيرانها ومن ثم فإن سلوكها المستقبلي سيكون صانع الأحداث وخصوصا فيما يتعلق بدعمها للبنان"، كما يقول هيل.
كما أن عددا من أهداف ترمب الإستراتيجية لا تزال قيد التفاوض وخصوصا الملف النووي، وفق غافيتو، التي قالت إن هناك فجوة كبيرة بين الأسس التي تتضمنها مذكرة التفاهم وبين الواقع.
فإيران، كما تضيف المتحدثة" لا تتفاوض بحسن نية، ولو تم تخفيف اليورانيوم المخصب بدرجات عالية فستكون هذه خطوة نحو الابتعاد عن هاجس عودة الحرب، لكن المخاوف تدور حول الطريقة التي سيتم بها هذا التخفيف".
لذلك، لا يمكن القول إن تقدما كبيرا حدث في الملف النووي على المدى الطويل، وإنما يمكن القول إن الاتفاق أنقذ الاقتصاد العالمي من تداعيات إغلاق المضيق في هذه المرحلة، برأي غافيتو.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك