الخرطوم – “القدس العربي”: أعادت استقالة القيادي في تحالف “تأسيس”، الجناح السياسي لقوات “الدعم السريع”، فارس النور، تسليط الضوء مجددا على مساره المثير للجدل الذي شهد تحولات عديدة منذ اندلاع الثورة السودانية.
والنور استقال من عضوية التحالف، ومن منصبة كحاكم لإقليم الخرطوم ضمن حكومة “الدعم السريع”.
وفي بيان تحدث عن مراجعات سياسية عميقة دفعته إلى اتخاذ القرار، مشيرا إلى مخاوف تتعلق بمستقبل السودان ووحدته وسيادته، في ظل استمرار الحرب واتساع الانقسام السياسي والعسكري.
النور استقال من عضوية التحالف، ومن منصبة كحاكم لإقليم الخرطوم ضمن حكومة “الدعم السريع”واعتبر أن المسار الذي انخرط فيه خلال الفترة الماضية لم يعد يحقق الأهداف التي كان يأملها عند دخوله إلى قوات الدعم السريع، مؤكدا أن استمرار الوضع الحالي ينطوي على مخاطر تهدد تماسك الدولة.
والاستقالة تعد الثانية من نوعها، وقد فتحت نقاشا واسعا حول تحولات الرجل الذي تنقل بين العمل الطوعي والمواقع السياسية في قيادة “الدعم”، قبل أن ينتهي به المطاف إلى الخروج من آخر منصب معلن له داخل بنية “تأسيس”.
وتعد هذه الاستقالة الثانية للرجل، حيث قدم الأولى في ديسمبر/ كانون الأول 2023، عندما أعلن تخليه عن منصبه مستشارا سياسيا لقائد “الدعم السريع” محمد حمدان دقلو “حميدتي”، بالإضافة إلى انسحابه من فريق التفاوض للقوات ذاتها.
وقال حينها إن الأولوية القصوى أصبحت وقف الحرب، وإنه يريد التفرغ للعمل من أجل إنهاء النزاع بعيدا عن المواقع الرسمية والالتزامات التنظيمية، في ظل ما وصفه بتعقيد المشهد الإنساني والسياسي.
ولم يكن اسم النور حاضرا بقوة في المشهد السياسي السوداني قبل سنوات الثورة، ولم يكن معروفا كقيادي حزبي أو ناشط سياسي بارز، فقد جاء إلى المجال العام من بوابة مختلفة تماما، بوابة العمل الطوعي والمبادرات المجتمعية التي ازدهرت بين الشباب السودانيين خلال العقد الأخير من حكم الرئيس السابق عمر البشير.
في تلك السنوات ارتبط اسم النور بمنظمة “مجددون” وعدد من المبادرات الشبابية التي ركزت على العمل الإنساني والخدمي، واستطاع من خلالها بناء شبكة واسعة من العلاقات داخل الأوساط الشبابية والمدنية.
وكان ظهوره آنذاك أقرب إلى صورة الناشط المجتمعي منه إلى صورة السياسي.
كما ساهم فوزه بجائزة “صناع الأمل” في تقديمه للرأي العام بوصفه أحد الوجوه الشابة الناشطة في العمل التطوعي، الأمر الذي منحه حضورا إعلاميا.
ومع اندلاع الثورة السودانية التي بدأت في ديسمبر/ كانون الأول 2018 وانتهت بسقوط نظام البشير في أبريل/ نيسان 2019، ظهر النور في قلب المشهد العام مع تصاعد المد الجماهيري داخل أروقة الاعتصام.
لكن حضوره لم يكن من خلال المنصات السياسية أو قيادة المواكب والاعتصامات، وإنما عبر النشاط الخدمي والتطوعي المرتبط باعتصام القيادة العامة في الخرطوم.
هناك، برزت المبادرات الشبابية التي كانت توفر الطعام والخدمات والدعم اللوجستي للمعتصمين، وكان اسم النور يتردد ضمن مجموعة من الناشطين الذين ارتبطوا بهذا الجانب من الحراك.
ظهر النور في قلب المشهد العام مع تصاعد المد الجماهيري داخل أروقة الاعتصام.
لكن حضوره لم يكن من خلال المنصات السياسية أو قيادة المواكب والاعتصاماتولهذا السبب لم ينظر إليه آنذاك باعتباره أحد قادة الثورة أو رموزها السياسية.
فقد كانت الأضواء مسلطة على قيادات تجمع المهنيين السودانيين والأحزاب والقوى السياسية المختلفة، بينما ظل النور أقرب إلى دائرة العمل المدني والمبادرات المجتمعية دون مواقف سياسية بارزة.
غير أن وجوده في محيط الثورة، وما راكمه من رصيد معنوي عبر العمل التطوعي، منحاه صورة إيجابية لدى قطاعات واسعة من الشباب السوداني.
لكن تلك الصورة بدأت تتغير بصورة دراماتيكية في مارس/ آذار 2020 عندما أعلن “حميدتي”، نائب رئيس مجلس السيادة آنذاك، تعيين النور مستشارا سياسيا له.
وقد شكل القرار مفاجأة لكثيرين، ليس فقط بسبب الخلفية المدنية للرجل، بل أيضًا بسبب الفجوة الكبيرة بين صورته كناشط تطوعي وبين طبيعة المؤسسة شبه العسكرية التي قرر الانضمام إليها، عدا عن أنه انتقد قوات “الدعم” على صفحاته الرسمية بعد فض اعتصام القيادة العامة في يونيو/ حزيران 2019في ذلك الوقت برر النور خطوته بأنها جاءت بعد حوارات مطولة مع “حميدتي”، وأنه توصل إلى قناعة بإمكانية التأثير على مسار الأحداث من داخل دوائر صنع القرار.
وقال إن السودان كان يمر بمرحلة انتقالية معقدة تتطلب التواصل مع مختلف مراكز القوة، وإن وجود شخصيات مدنية داخل تلك المراكز يمكن أن يسهم في دفع عملية التحول الديمقراطي.
لكن التفسير لم ينهِ الجدل، فقد تعرض النور لانتقادات حادة من بعض الناشطين والسياسيين الذين رأوا في الخطوة انتقالًا من معسكر الثورة إلى معسكر القوة المسلحة.
كما اعتبر آخرون أن “الدعم” كان في حاجة إلى شخصيات مدنية ذات سمعة جيدة في المجتمع لتحسين صورته العامة وتعزيز حضوره السياسي.
ومنذ تلك اللحظة، بدأت مرحلة جديدة بالكامل في حياة النور.
فالرجل الذي عُرف سابقًا في دوائر العمل الطوعي أصبح أحد الوجوه المدنية المرتبطة بـ”الدعم السريع”.
وشيئا فشيئا انتقل من موقع المستشار إلى موقع المدافع السياسي والإعلامي عن مواقف قوات “الدعم” وقائدها، وبدأ حضوره يزداد في النقاشات العامة والحوارات السياسية.
خلال السنوات التالية أصبح النور من أكثر الشخصيات المدنية قرباً من “حميدتي”، وظهر في لقاءات وفعاليات سياسية مختلفة داخل السودان وخارجه، كما شارك في بناء شبكة من العلاقات السياسية والإعلامية المرتبطة بالدعم السريع.
وبالنسبة لمؤيديه، كان ذلك دليلًا على نجاحه في الوصول إلى مواقع التأثير وصنع القرار.
أما منتقدوه فكانوا يرون أن الرجل أصبح جزءا من مشروع يهدف إلى غسل وجه “الدعم” وسط اتهامات بارتكاب انتهاكات واسعة فضلا عن منح القوات شبه العسكرية الموازية للدولة غطاء مدنيا وشكلا أكثر قبولا لدى الرأي العام.
ومع تصاعد التوتر بين الجيش السوداني و”الدعم” خلال الفترة الانتقالية، ازداد ظهور النور في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي بوصفه أحد الأصوات السياسية المدافعة عن رؤية “الدعم” لمستقبل السودان.
لم يعد يُنظر للنور بوصفه ناشطا تطوعيا سابقا، بل باعتباره جزءا من الدائرة السياسية المحيطة بقيادة القواتولم يعد يُنظر إليه بوصفه ناشطا تطوعيا سابقا، بل باعتباره جزءا من الدائرة السياسية المحيطة بقيادة القوات.
وعندما اندلعت الحرب بين الجيش وقوات “الدعم” في أبريل/ نيسان 2023، برز اسم النور مرة أخرى كمفاوض باسم “الدعم”، فقد تحول من مستشار سياسي إلى أحد الوجوه المرتبطة مباشرة بملف الحرب والتفاوض.
وبرز اسمه في منبر جدة الذي استضاف جولات من المفاوضات بين الطرفين برعاية إقليمية ودولية، ممثلا لـ”الدعم السريع”.
في تلك المرحلة أصبح اسمه مرتبطًا بصورة شبه كاملة بالمشروع السياسي لـ”الدعم”.
ولم يعد الجدل حوله يدور بشأن انتقاله من العمل الطوعي إلى السياسة، بل حول موقعه داخل واحدة من أكثر القوى العسكرية إثارة للانقسام في السودان.
غير أن نهاية عام 2023 حملت أول إشارة إلى تغير محتمل في مساره السياسي.
ففي ديسمبر/ كانون أعلن استقالته من منصب المستشار السياسي لـ”حميدتي” ومن موقعه في فريق التفاوض.
وقال آنذاك إن الأولوية القصوى أصبحت وقف الحرب وإنه يريد التفرغ لهذه المهمة بعيدًا عن أي موقع رسمي.
وقد فسرت الخطوة بطرق مختلفة، فالبعض اعتبرها خلافًا سياسيًا مكتومًا، بينما رأى آخرون أنها محاولة لإعادة التموضع في ظل تعقيدات الحرب.
ورغم تلك الاستقالة، لم يختف النور من المشهد المرتبط بالدعم السريع.
فقد عاد لاحقا للظهور ضمن الترتيبات السياسية التي تشكلت حول القوات وحلفائها.
ومع تأسيس تحالف “تأسيس” برز اسمه مجددا داخل الهياكل السياسية الجديدة، وتولى منصب حاكم إقليم الخرطوم ضمن الترتيبات التي أعلنها التحالف، حيث أعلنه“حميدتي” حاكما على الخرطوم التي كانت وقتها تحت سيطرة الجيش الكاملة، أي أنه كان أقرب لمنصب صوري غير مؤثر، حيث أعلن “حميدتي” فيما عرف بالحكومة الموازية حكام أقاليم لكل البلاد رغم تراجع قواته وقتها وسيطرة الجيش على معظم الأقاليم.
أعادت هذه الاستقالة، التي تعد الثانية من نوعها، طرح الأسئلة القديمة حول شخصية فارس النور ودوره الحقيقي خلال السنوات الماضيةلكن فصلا آخر من القصة جاء عندما أعلن استقالته للمرة الثانية، هذه المرة من تحالف “تأسيس” ومن موقعه حاكما لإقليم الخرطوم، حيث تحدث في بيان مطول عما وصفها بالمراجعات السياسية العميقة وعن مخاوف تتعلق بوحدة السودان وسيادته ومستقبل الدولة، معتبرا أن المسار الذي انخرط فيه لم يعد يحقق الأهداف التي دفعته إلى المشاركة فيه منذ البداية.
وأعادت هذه الاستقالة، التي تعد الثانية من نوعها، طرح الأسئلة القديمة حول شخصية فارس النور ودوره الحقيقي خلال السنوات الماضية: هل كان ناشطا مدنيا رأى أن التأثير ممكن على مراكز القوة من الداخل؟ أم أنه كان جزءا من مشروع هدف إلى تحسين صورة “الدعم” ومنحها واجهة مدنية مقبولة وسط اتهامات بارتكاب انتهاكات واسعة وجرائم حرب؟ حسب منتقديه.
لكن ما يبدو مؤكدا هو أن فارس النور لم يصنع شهرته عبر الأحزاب التقليدية أو المؤسسات السياسية والمجموعات المسلحة المعروفة.
فقد بدأ رحلته من عالم التطوع والعمل المجتمعي، ثم انتقل بصورة غير متوقعة إلى قلب واحدة من أكثر التجارب السياسية والعسكرية إثارة للجدل في تاريخ السودان الحديث، لينتقل من مطابخ الاعتصام إلى الجناح السياسي لقوات “حميدتي” المتهمة بارتكاب انتهاكات وجرائم حرب واسعة، قبل أن يقفز مرة أخرى، من قارب ما يعرف بتحالف ” تأسيس”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك