في اللحظة التي بلغ فيها" المجلس الانتقالي" مكانة دفعت قادته نحو الحديث عن تأجيج الصراع في اليمن، عبر إعلان الاقتراب من إنشاء كيان جديد ليكون دولة، جاءت التطورات متسارعة لتكبح جماح الكيان المنفلت، وتعيد رسم الخريطة، بحضور سلطات الحكومة المعترف بها في العاصمة الموقتة عدن وباقي المحافظات.
وعقب جملة التطورات السياسية والعسكرية التي اتخذتها بدعم وإسناد سعودي، تواصل الحكومة المعترف بها عملية طي صفحة" الانتقالي"، الذي نصب نفسه في مايو (أيار) 2017 الممثل الحصري للجنوب بالقوة، ضمن سلسلة إجراءات لإحكام قبضتها على المحافظات الواقعة كافة خارج نطاق سيطرة جماعة الحوثي، بما فيها العاصمة الموقتة عدن و" الحفاظ على المركزية القانونية للدولة اليمنية"، من مساعي التمزيق والتشرذم.
علي رغم نجاح الشرعية في بسط يدها على معظم المفاصل العسكرية في عدن وباقي المحافظات، فإنها استدركت أخيراً تربص بقايا الانتقالي التي تكشف عنها محاولات التأجيج الإعلامي، ودفع الجماهير نحو تسيير تظاهرات ضد الحكومة تطالب في ظاهرها بتحسين الخدمات، وفي جوهرها حلم بعودة السطوة جنوباً، لتؤكد اليوم مطالبتها لمجلس الأمن الدولي بمعاقبة معرقلي العملية السياسية في البلاد، وعلى رأسهم عيدروس الزبيدي، المتهم بالخيانة العظمى، نتيجة" إثارته الفتنة الداخلية وإضراره بمركز الجمهورية اليمنية، وعرقلة جهود مواجهة الانقلاب الحوثي، والتخلف عن الاستجابة لدعوة السعودية إلى عقد حوار جنوبي - جنوبي".
يأتي هذا متزامناً مع إجراء حكومي آخر أصدره النائب العام اليمني القاضي قاهر مصطفى، أمس الأربعاء، قضى" بالحجز التحفظي على جميع الأموال والحسابات المصرفية العائدة للمجلس المحلول"، لدى البنوك والمؤسسات المالية وشركات ومحال الصرافة، ضمن سلسلة إجراءات لحماية المال العام، ومكافحة الفساد وغسل الأموال، وتمكين الحكومة من مواردها المحلية والسيادية كافة.
ونص القرار على منع التصرف أو التنازل أو السحب أو التحويل، أو إجراء أي تصرف قانوني أو مادي على الأموال المشمولة بالحجز، وألزم القرار البنك المركزي والبنوك والمؤسسات المالية وشركات ومحال الصرافة بسرعة التنفيذ، وإفادة النيابة العامة بما لديها من حسابات وأرصدة، وأموال تخص الجهة المشمولة بالحجز.
وتبرز الدعوات اليمنية بمعاقبة الزبيدي إثر تنفيذه عمليات تمرد مسلح منظم ضد مؤسسات الدولة، وذلك عقب سيطرة قوات" المجلس الانتقالي" الجنوبي على محافظات ومواقع رسمية مما يمثل، وفقاً للدستور اليمني، " خروجاً مسلحاً على السلطة الدستورية"، إضافة إلى تحويله قضية الجنوب السياسية إلى مشروع عسكري، يهدد السلم الداخلي ويقوض استقلال الجمهورية اليمنية، ووحدة قرارها السياسي والعسكري.
ويقول الباحث السياسي فارس البيل، إن هذه الإجراءات تأتي من الحكومة نتيجة عدم تعاطي ما بقي من" الانتقالي" مع شروط المرحلة الجديدة، بمعنى أن المرحلة الجديدة بعد قرار حله من داخله تؤكد، وفق البيل، " طيّ صفحته سياسياً، أما فكرة المشروع الذي كان يحمله فلا تزال موجودة وتتعاطى مع الأطراف السياسية بصورة أو أخرى، بدليل أن الحوار المزمع عقده في الرياض يسعى إلى معالجة جوهر المشكلة الحقيقية التي استغلها الانتقالي، ممثلة في القضية الجنوبية التي اتخذها جسر عبور لتحقيق طموحاته الذاتية والخارجية".
وطالبت الحكومة اليمنية الثلاثاء الماضي مجلس الأمن الدولي بتوسيع قائمة العقوبات الدولية، وتحديث نظام الجزاءات الأممي، في طلب تضمن ذكر رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي المحلول، عيدروس الزبيدي، ضمن قائمة الشخصيات التي قالت إن مؤسسات الدولة اتخذت بحقها إجراءات قانونية.
وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة عبدالله السعدي، خلال جلسة مفتوحة لمجلس الأمن في شأن اليمن، إن مؤسسات الدولة اتخذت، وفقاً للدستور والقانون، إجراءات بحق عدد من المتورطين في" أعمال التمرد والفساد والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان"، وعلى رأسهم عيدروس الزبيدي الذي وصفه بأنه" متهم بجريمة الخيانة العظمى".
ودعا السعدي مجلس الأمن إلى التطبيق الحازم لقراراته بحق جميع الأفراد والكيانات التي يثبت تورطها في تقويض العملية السياسية، أو تهديد السلم والأمن والاستقرار، مطالباً بتحديث قائمة الجزاءات" كلما اقتضت الوقائع ذلك".
ودعا السعدي أيضاً إلى توسيع نظام العقوبات ليشمل جميع الأفراد والجهات الداخلة في أعمال تخريبية أو معرقلة للعملية السياسية، أو الساعين إلى فرض إجراءات أحادية بالقوة، وتقويض مؤسسات الدولة ومرجعيات المرحلة الانتقالية، مؤكداً استعداد الحكومة للتعاون مع الأمم المتحدة ولجنة العقوبات، وتقديم أية معلومات أو وثائق إضافية قد تكون لازمة لاستكمال الإجراءات ذات الصلة.
وجاء الإجراء في سياق عرض قدمته الحكومة لما وصفتها بتحركات سياسية وعسكرية وإجراءات أحادية مستمرة، تهدد جهود التهدئة ووحدة وسيادة البلاد وسلامة أراضيها، وتتعارض مع قرارات مجلس الأمن، وفي مقدمها القراران (2140) و (2216).
وعلى مدى الأشهر الستة الماضية، بدا نهج الشرعية منضبطاً وإن اتخذ في بعض المحطات حلولاً عسكرية، غلبت عليها سياسة الاحتواء وتجنب الاصطدام، من طريق حل عقد الكيان الذي سعى إلى فرض مشروع" استعادة الدولة" الجنوبية التي دخلت وحدة طوعية مع الشمال عام 1990.
ومع الإقرار بوجود" القضية الجنوبية" من دون الاستقواء بفرض واقع جديد، ولا سيما وهي القضية الموعودة بحوار مرتقب تستضيفه وترعاه السعودية ويناقش أبعادها والحلول، فإن" الانتقالي" استمر في نهجه الأحادي المدعوم خارجياً، وكان توجه" الشرعية" نحو توحيد القرار السيادي والقانوني للدولة بإزالة أسباب التنازع التي مثل" الانتقالي" أبرز تحدياتها، خصوصاً وقد تعزز حضورها الإداري مع العودة لعدن، مما أكسبها وجاهة قانونية وسياسية أقوى، بعد أن ظلت تتخذ من العاصمة السعودية الرياض مقراً لها، نتيجة أعوام من التنازع مع الكيان الذي أسسه عيدروس الزبيدي المقيم في الخارج.
ويعتقد البيل أن مسعى وإصرار الحكومة نحو فرض ذاتها مهم، لأن هناك" قضايا فساد وقضايا حقوقية وانتهاكات، ولا بد من أن تعالج بصورة موضوعية ومهنية، وهناك كثير من ضحايا 'الانتقالي' ناهيك عن انتهاكاته المالية، ولا بد من تسوية هذه الملفات سواء عليه أو على غيره من طريق تثبيت الدولة".
ويرى المتحدث ذاته أنه من الجيد أن" تتخذ القرارات عبر القضاء لا عبر السياسة، بعيداً من أي ردود فعل سياسية، ولا يجب أن يحسب كوسيلة ضغط على 'الانتقالي' أو ما بقي منه، في إطار معالجة أخطاء ارتكبت سابقاً، ولهذا فعلى الحكومة أن تمضي بهذه الإجراءات إلى الأخير".
مرت عملية إزاحة" الانتقالي" بمنعطفات عدة، تمثلت في المواجهة العسكرية والسياسية التي هدفت إلى الحفاظ على مركز الدولة اليمنية من تهديد وجودي مثله" المجلس" الذي يؤخذ عليه، لدى قطاع شعبي واسع، اتخاذ القوة وسيلة لفرض مشروعه، مرتدياً شعار القضية الجنوبية، وانتهاجه سلوكاً مناطقياً بشعارات رجعية، تتنكر للمكتسبات التي اجترحها اليمنيون في الجنوب، ولعل أبرز الخطوات التي ساعدت الشرعية في إزالة أحجاره عن طريقها، إعلان" هيئة رئاسة المجلس الانتقالي" في التاسع من يناير (كانون الثاني) الماضي حلّ الكيان بصورة كاملة، بما في ذلك جميع هيئاته وأجهزته الرئيسة والفرعية، وإلغاء جميع مكاتبه في الداخل والخارج، على وقع تهاوي قواه العسكرية الضخمة التي سيطرت مطلع ديسمبر (كانون الأول) 2025، على الإقليم الشرقي، ممثلاً في محافظتي حضرموت والمهرة، المحاذيتين للسعودية، قبل أن تبادر" الشرعية" بدعم سعودي إلى شن عملية عسكرية لاستعادتهما.
واستمراراً لمساعي الإسناد السعودي العسكري والسياسي للحكومة المعترف بها، لبسط نفوذها على كامل تراب البلاد، وسط مساع إلى إعادة ترتيب المشهد الداخلي، وتهيئة الظروف أمام تسوية شاملة تنهي الصراع، قال وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان يومها، إنه أصبح لقضية الجنوب مسار حقيقي ترعاه السعودية، ويدعمه ويؤيده المجتمع الدولي عبر" مؤتمر الرياض"، الذي" نسعى من خلاله إلى جمع إخوتنا أبناء الجنوب لإيجاد تصور شامل للحلول العادلة، بما يلبي إرادتهم وتطلعاتهم".
وفي إطار تبني الحلول لفرض أمر مسلح واقع، مثلما سعى" الانتقالي" خارج الإرادة اليمنية، قال وزير الدفاع إن السعودية" ستشكل لجنة تحضيرية بالتشاور مع الشخصيات الجنوبية للإعداد للمؤتمر الذي سيشارك فيه شخصيات جنوبية، من جميع محافظات الجنوب من دون إقصاء أو تمييز، وستدعم الرياض مخرجات المؤتمر، ليجري طرحها على طاولة حوار الحل السياسي الشامل في اليمن".
وبهذا تكون السلطة الشرعية مسنودة بالسعودية، قد طوت سياسياً وعسكرياً، صفحة" المجلس الانتقالي" عن صورة المشهد السياسي اليمني، عزز من تهاويه السريع هرب زعيمه عيدروس الزبيدي إلى الخارج، لترسم الرعاية السعودية في إسناد البلد الجار، آمالاً عريضة لدى اليمنيين الذين يتطلعون إلى حلول ملموسة للقضايا العادلة الأخرى، في صميم الحياة السياسية الوطنية، ضمن مشروع يمني جامع، لا ضمن أوراق الصراع أو رهانات القوة والاستبداد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك