أطلق رئيس وزراء لبنان الراحل صائب سلام على نهاية أحداث لبنان عام 1958 جملة" لا غالب ولا مغلوب" فأراحت أعصاب المتخاصمين وأدخلت البلاد في خطوة وئام.
هنالك جملٌ يجب أن تقال في اللحظات المناسبة لإنها تلعب دورا كبيرا في جسر ود أو تغيير مسار، بل إن هنالك جُملا قد تؤدي إلى الحرب، أو تنسج علاقات دولية من روح الإنتقام.
قد يُدرج التفاهم الأميركي الإيراني تحت هذا العنوان وبأن هنالك تعادلا في نتائج الصراع بينهما، لكنهما لاحقا سيتقدمان خطوة خطوة وبحذر شديد، وقد تصير لحظة بلحظة نظرا لما بينهما من بون شاسع أو نفور صعب في إعادة تآلفه بين ليلة وضحاها، أو بين جلسة وأخرى، ولهذا كانت الستين يوما طافحة بأن تكون يوميات تطبيق للمآلات التي سيتم التوافق عليها، بل قد تكون أيضا يوميات شد أعصاب وهذا طبيعي، وقد يحدث خلالها لحظات صعبة تؤشر إلى عودة الحرب وتفجر الصراع من جديد كما لوح ترامب أكثر من مرة.
وبقدر ما ستكون تلك الأيام المستقبلية لها تأثيرها في التناغم أو التنابذ بين المتفاهمين، إلا إنها مساحة من إعادة النظر لكل طرف بشؤونه الداخلية التي بنى عليها مواقفه، وصراعه، وبالتالي قبول ما قبله.
ومن الضروري الإعتراف بأن الإتفاق الإيراني الأميركي مقروء في بعده الإستراتيجي على مسافة أوسع، ويخص أيضا إسرائيل ولبنان وحزب الله، مثلما يخص العالم الظاميء إلى فتح مضيق هرمز.
فلا خصوصية خاصة للأميركي والإيراني، بقدر ما هنالك ذلك البعد الإستراتيجي الذي يحكم أطرافا أساسية تخصه.
لكن الواضح حتى الآن، أن شعار" لا غالب ولا مغلوب" ليس في وارد أي من تلك القوى الكبرى وما يلحق بها.
كل دولة تشعر أنها" غالب"، وأنها بقدرتها حققت الخطوات التي جرت وأوصلتها إلى أن تكون حدثا كبيرا في الداخل والخارج.
علّمنا التاريخ أن الإتفاقات الكبرى لا تقاس بلحظات التوقيع، بل بما يحدث بعدها.
فالصورة التي تجمع المفاوضين أمام الكاميرات ليست سوى المشهد الأول، أما المشاهد الحقيقية فتبدأ عندما يجف الحبر وتبدأ الأطراف باختيار حدود ما تم الإتفاق عليه.
لا شك أن بطل الصورة كان دونالد ترمب، وهو الذي جمع من الجُمل ما يجعلها رواية مكتوبة بحروف تنص كلها على تفوقه وقدرته.
فهو الغالب كما يعتقد الذي سيقول لشعبه إن إنجازه منع حربا جديدة وخفف التوتر في الشرق الأوسط، لكن المعارضين سيطرحون أسئلة صعبة، ماذا أعطت واشنطن؟ وماذا أخذت بالمقابل؟ وهل يمثل الإتفاق تسوية مؤقتة أم تحولا استراتيجيا في العلاقة مع إيران؟ لذلك قد يتحول الجدل من الملف النووي إلى صراع سياسي داخلي حول جدوى الإتفاق وسمتقبله وسيكون له تأثيره على الإنتخابات النصفية في نوفمبر.
إيران اكتشفت ولم تكن تعرف قبلها، ويبدو بصدفة تنفيذها، أن مضيق هرمز بمثابة قنبلتها النووية، وبالتالي فهي الغالب الذي خرج من معركة كبرى حاملا قواعد مصير جديد متجدد قوامه أنها خرجت منتصرة، النظام ثبت، وصواريخ وقنابل أميركا وإسرائيل لم تحقق المبتغى بل أعطتها قوة إكتشفت أيضا أن صواريخها استثمار كان في محله، لعب دورا في الصمود الإستثنائي وفي تحقيق الغلبة.
سوف لن يسأل الإيرانيون دولتهم عن رحلتها التفاوضية المباشرة مع الشيطان الأكبر كما تسمي أميركا ولماذا حدثت بهذه الطريقة، مع إن مظاهرات شعبية خرجت ولم تكرر خروجها، وهي تندد بالإتفاق وبمن يقف وراءه مثل وزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف الذي رأى في تصريح له أن بلاده انتصرت" وهذه الحرب ستغير كثيرا من العلاقات الإقليمية ونحن مستعدون لإبرام اتفاقات أمنية دائمة مع دول المنطقة".
إعتبر ذلك بمثابة ترهيب لدول الخليج مستقبلا والتي من المؤكد أن علاقاتها المقبلة مع إيران ستنحو حتما نحو التبدل، وستكون حسبما نقل مرجع عربي حذرة جدا، بعدما نالها من الصواريخ والمسيرات الإيرانية ما لا يمكن احتماله، مع إنها لا دخل لها إطلاقا.
وعلى عاتق إيران أيضا، الملحق الذي أدرجته في اتفاقها وهو لبنان.
إسماعيل بقائي الناطق باسم وزارة الخارجية الإيرانية أصر أن إسرائيل إن لم توقف عدوانها ولم تنسحب من جنوب لبنان فيعتبر الإتفاق مع أميركا ملغى إذا اعتبرنا الكلمة في محلها.
ومن هنا، علينا أن نفهم مرحلة الستين يوميا ما سوف تخرج به إيران لإيقاف الأعمال الوحشية الإسرائيلية بل إخراج قواتها مما احتلته.
رغم صعوبة حصول هذا الأمر لأن الإسرائيلي يربط انسحابه بإنهاء وجود سلاح حزب الله.
فهل تتعثر المفاوضات المقبلة حسب تعبير بفائي، وهل يتغير التاريخ مرة أخرى ليأخذنا إلى دورته السابقة، أم تندفع إسرائيل في إعطاء الدولة اللبنانية ورقة رابحة في المباحثات معها بالإنسحاب إلى المرتفعات الخمس الأولى والتي لا تشكل حرجا لإيران والحزب، ولكي لا يُفسر انسحابها هذا بانه خضوع للطلب الإيراني!
في هذه الأثناء تبدو إسرائيل غير مرحب بها لا أميركيا ولا غيره.
وهي في عرف النتائج مغلوبة وليست غالبة.
لكن نتيناهو الذي يعيش أياما صعبة ومريرة بعد إحساسه بأن ترمب باعه عند أقرب محطة له، وبأنه بدون أميركا ليس شيئا مهما لاعسكريا ولا سياسيا، وقف في تلفازه ليقدم شهادة خلاص أمام شعبه بعد وصف صريح له من قبل الكاتب الإسرائيلي آفي أشكنازي بقوله" من زئير الأسد إلى مواء قطة" فقد اختار كعادته لغته الديماغوجية حين اعتبر أنه أزال التهديد النووي الإيراني، وبتدمير القدرات الإيرانية الصاروخية والتهديد النووي وإلحاق أضرار بمنشآته ومصادر صواريخه.
وقال علنا إن المواجهة مع إيران لم تنته بعد وإسرائيل لن تسمح لإيران بامتلاك قنبلة نووية.
المشكلة الأساسية لنتنياهو قد لا تكون الإتفاق بل فقدان القدرة على التأثير في مساره.
فبعد أن يجف حبر التوقيع، قد لا يكون السؤال ماذا ربحت واشنطن أو ماذا كسبت طهران، بل ماذا بقي من صورة نتنياهو بوصفه الرجل القادر على منع ما لا يريده.
فإذا تحول الإتفاق إلى واقع مستقر، يصبح رئيس حكومة إسرائيل خارج غرفة القرار لا داخلها، مُراقبا لمسار كان يوما يعتقد أنه قادر على رسم حدوده.
بل بعد أن يجف الحبر، قد يكتشف نتنياهو أن معركته لم تكن مع إيران وحدها بل مع الزمن السياسي نفسه.
" فالزعيم" الذي بنى جزءا كبيرا من حضوره على التحذير من الإتفاقات مع طهران، يجد نفسه أمام اتفاق قائم، فيما تمضي الأطراف الأخرى إلى الأمام تاركة الإعتراض من خارج الطاولة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك