الرباط ـ «القدس العربي»: عادت قضية المحامي المغربي محمد زيان الملقب بـ «شيخ المعتقلين»، إلى واجهة الأحداث بالتزامن مع حلول السنة الهجرية الجديدة، وذلك على إثر بيان صادر عن أسرته، أكدت فيه أن إدارة السجن رفضت تسلم المبلغ المالي المخصص له من أجل اقتناء المواد الغذائية، كما قامت بتقليص مدة الفسحة.
ولم يتأخر رد إدارة سجن «العرجات» في مدينة سلا المجاورة للعاصمة الرباط حيث يقضي زيان عقوبته، ونفت في بيان توضيحي ما وصفته بـ «الادعاءات» المتعلقة بـ «رفض إدارة المؤسسة تسلم المبلغ المخصص للسجين المذكور من أجل اقتناء المواد الغذائية من متجر المؤسسة»، و«انعكاس هذا الحرمان على وضعه الصحي»، وكذا «إقدام الإدارة على الحد من المدة المخصصة له للقيام بالفسحة».
وأكدت، في المقابل، أن محمد زيان ارتكب «مخالفة» تتمثل في استغلال الهاتف الثابت للمؤسسة «في غير الأغراض التي خُصص لها»، حيث تم عرضه على اللجنة التأديبية التي قررت في حقه عقوبة المنع من الشراء من متجر المؤسسة لمدة ثلاثين يوما، مع استثناء مواد النظافة.
ووفق البيان التوضيحي لإدارة السجن، فقد رفض زيان التوقيع على القرار، وعبّر عن رغبته في المنازعة فيه، و»هو ما تمت الاستجابة له، حيث سيتم النظر في هذه المنازعة داخل الآجال القانونية».
ووصفت الإدارة ما جاء في بيان أسرة زيان بـ «ادعاء كاذب»، مبرزة أنه «بعد إبلاغ ابنه بقرار اللجنة التأديبية، رفض إيداع أي مبلغ مالي بحساب والده».
وأشارت إلى أن هذا الأخير ما زال يتوفر على وصل شراءات بقيمة 300 درهم (نحو 30 دولارا أمريكيا)، سبق أن تسلمه من ابنه بتاريخ 8 حزيران/يونيو، كما أن حسابه الشخصي لدى المقتصد يتوفر على مبلغ مالي قدره 340 درهما (ما يناهز 36 دولارا).
ولم تفت إدارة السجن الإشارة إلى أن محمد زيان، يتسلم جميع الوجبات المقدمة إليه يوميا من طرف إدارة المؤسسة، مرفقة بالفواكه الموسمية، بما يتناسب مع الحمية الطبية الموصوفة له من طرف طبيب السجن، و»لم يسبق له أن تقدم بأي شكوى بخصوص كمية أو جودة تلك الوجبات».
وبخصوص ما وصفته بـ «ادعاء» عائلة زيان المتعلق بتقليص مدة الفسحة المخصصة للسجين، أكدت إدارة السجن أنه «لا أساس له من الصحة، حيث إن المعني بالأمر يستفيد من الفسحة لمدة زمنية كافية، حتى إنه يطلب في بعض الأحيان إنهاء الفسحة قبل انتهاء مدتها».
وجاء البيان التوضيحي الصادر عن إدارة السجن المذكور ردا على بيان سابق لعائلة محمد زيان، التي تصفه بـ «المعتقل السياسي»، وأخبرت من خلاله الرأي العام المغربي والدولي بأنها «فوجئت خلال الزيارة الاعتيادية ليوم الإثنين 15 حزيران/يونيو برفض إدارة السجن تسلم المبلغ المالي الأسبوعي المخصص له من أجل اقتناء المواد الغذائية التي يحتاجها».
وحرصت العائلة في بيانها على ذكر الصفة السابقة لزيان كوزير لحقوق الإنسان، مؤكدة، بناء على تصريحاته، «أنه يجد صعوبة بالغة في تناول الوجبات الغذائية التي تقدمها المؤسسة السجنية، حيث يتغذى أساسا على ما يقتنيه من متجر السجن، الأمر الذي من شأنه أن ينعكس سلبا على تغذيته، وبالتالي على وضعه الصحي، خاصة أنه رجل يبلغ من العمر 84 عاما».
واستنكرت العائلة هذا القرار «الغامض» الذي يمس بكرامة وصحة سجين مسلوب الحرية، في خرق للمبادئ الأساسية لمعاملة السجناء، وفق تعبيرها، كما أعلنت أن دفاع النقيب محمد زيان باشر الإجراءات القانونية اللازمة لصون حقوقه.
وأصبحت بيانات عائلة المحامي محمد زيان وتوضيحات إدارة السجن، في كل مرة يجري فيها اتهام المؤسسة بـ «انتهاك» حقوق النقيب المعتقل أو حرمانه من حقوقه، أشبه بعادة متكررة تعيد إثارة ملف المحامي المعتقل، وتجعله مادة للانتقادات الحقوقية والمطالب المتجددة بإطلاق سراحه نظرا لشيخوخته والأمراض التي يعاني منها.
وبمجرد نشر بيان عائلة محمد زيان، انتشرت تدوينات تطالب بإطلاق سراحه رأفة به وبسنه والأمراض التي يعاني منها، كما أعاد بعض النشطاء الحقوقيين تداول صورة للنقيب أثناء مرافقته إلى المحكمة قبل مدة، حيث ظهر في وضع صحي أثار تعاطف عدد من المتابعين.
وعرفت القضية بروز عدة مساعٍ حقوقية وسياسية تهدف إلى طي هذا الملف، حيث تحركت تنظيمات وشخصيات مختلفة للمطالبة بتمتيع محمد زيان بعفو خاص.
وقد ارتكزت هذه المطالب بشكل أساسي على الدواعي الإنسانية، بالنظر إلى شيخوخته المتقدمة، إلى جانب ما يعانيه من تراجع وتدهور في حالته الصحية، في الوقت الذي تجدد فيه أسرته التحذير من أن بقاءه خلف القضبان في هذا السن المتقدم يعد بمثابة «إعدام بطيء».
ولم تغفل تلك التحركات المكانة الاعتبارية لزيان، كونه شغل سابقا منصب نقيب المحامين وتولى حقيبة وزارة حقوق الإنسان، وهو المعطى الذي جعل مؤيديه ومناصريه يصرّون على أن رمزيته وتاريخه المهني يستوجبان تمتيعه بمعاملة تليق بمساره.
ومن بين الخطوات الرامية إلى تسوية ملف النقيب، عريضة طالبت بالإفراج الصحي عنه، وكان قد جرى تداولها على نطاق واسع منذ أشهر.
وناشدت من خلالها «اللجنة الوطنية للتضامن مع المعتقلين» تمتيع السجين بعفو صحي، وهو إجراء قانوني يمنح العاهل المغربي، الملك محمد السادس، صلاحية العفو عن النزلاء الذين يكابدون أمراضا مستعصية أو يمرون بظروف صحية دقيقة.
ويشار إلى أن قضية المحامي والوزير الأسبق لحقوق الإنسان شهدت عدة محطات قضائية، وجرت متابعته بتهم متعددة.
وكانت الانطلاقة سنة 2020، على خلفية دعاوى حركتها ضده وزارة الداخلية بعد توجيهه انتقادات علنية للمنظومة الأمنية.
ومع حلول شهر تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2021، جرت متابعته بصك اتهام يضم إحدى عشرة تهمة متنوعة، شملت إهانة موظفين عموميين، والتشهير، والتحرش الجنسي، وهي المتابعات التي قوبلت في شباط/فبراير 2022 بصدور حكم ابتدائي يقضي بحبسه ثلاث سنوات نافذة.
وقد أيدت محكمة الاستئناف هذا الحكم في تشرين الثاني/نوفمبر من السنة نفسها، ليدخل القرار حيز التنفيذ الفعلي.
وبالتوازي مع هذه القضية، واجه زيان مسارا قضائيا ثانيا ارتبط بتهم تبديد أموال الدعم العمومي الموجهة إلى «الحزب المغربي الحر» الذي تولى أمانته العامة سابقا، حيث أدين ابتدائيا في تموز/يوليو 2024 بالسجن لمدة خمس سنوات، قبل أن تقرر محكمة الاستئناف في أيار/مايو 2025 تخفيض العقوبة إلى ثلاث سنوات نافذة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك