عمان - لم تعد التطورات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط مجرد حرب أو مواجهة عسكرية عابرة، بل تبدو أقرب للحظة تاريخية تعاد خلالها صياغة قواعد الإقليم وموازين القوى التي حكمته لعقود طويلة.
اضافة اعلانفالمنطقة لا تتحرك اليوم على مستوى الأحداث العسكرية فقط، بل تشهد تحولات عميقة تطال مفاهيم النفوذ والردع والتحالفات، وسط تداخل متزايد بين الأمن والاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والممرات التجارية.
ويرى خبراء ومحللون سياسيون وإستراتيجيون، في تصريحات لـ" الغد"، أن الحديث عن شرق أوسط جديد، لم يعد مجرد تصور نظري، لكنه بالوقت ذاته لا يعني أن المنطقة وصلت إلى شكل نهائي ومستقر من الترتيبات الجديدة.
فما يجري اليوم يمثل مرحلة انتقالية معقدة تتراجع خلالها معادلات قديمة، بينما تتشكل أخرى بصورة تدريجية لم تتضح ملامحها بالكامل بعد.
ويستنتج المختصون أنه يبدو أن الشرق الأوسط يقف أمام مرحلة تاريخية تتراجع فيها منظومات وتحالفات قديمة، بينما تتشكل أخرى جديدة تقوم على المصالح الاقتصادية والممرات التجارية والتكنولوجيا بقدر ما تقوم على الاعتبارات الأمنية والعسكرية.
وغير أن الإجابة النهائية عن سؤال" هل يولد شرق أوسط جديد؟ " ما تزال مؤجلة، وفق الخبراء، لأن المنطقة لم تصل بعد إلى نهاية مرحلة التحول، بل ما تزال تعيش مخاضاً مفتوحاً على احتمالات متعددة، قد يقود لنظام أكثر استقراراً وتعاوناً، أو إلى نسخة أكثر تعقيداً واضطراباً من الشرق الأوسط الذي عرفته المنطقة طوال العقود الماضية.
مرحلة مخاض لا ولادة مكتملةويرى الخبير العسكري والإستراتيجي د.
نضال أبو زيد، أن الحديث عن ولادة شرق أوسط جديد ما يزال سابقاً لأوانه، لأن جذور الصراعات الأساسية بالمنطقة لم تعالج بعد، وما تشهده الساحة الإقليمية لا يتجاوز حتى الآن مرحلة إعادة تموضع للقوى الإقليمية والدولية أكثر من كونه نهاية للصراعات التاريخية.
ويؤكد أن المنطقة ما تزال ساحة مفتوحة للتنافس والصراع، وأن أي اتفاقات أو تفاهمات محتملة، بما في ذلك التفاهمات الأميركية الإيرانية، لن تكون كافية لإنهاء أسباب التوتر القائمة منذ عقود.
ويشير إلى أن القضية الفلسطينية تبقى في صلب معادلة الصراع، إلى جانب استمرار المشاريع الإقليمية المتنافسة، سواء المشروع الإسرائيلي أو الإيراني أو التركي، وهي مشاريع ما تزال تمتلك أدوات تأثير وحضوراً سياسياً وأمنياً يجعلها عناصر رئيسية في تحديد مستقبل المنطقة.
وبحسبه، فإن شكل الشرق الأوسط المقبل سيبقى مرتبطاً بمدى قدرة هذه المشاريع على التعايش أو التنافس، وبحجم التفاهمات أو الصدامات التي قد تنشأ بينها خلال السنوات المقبلة.
وفيما يتعلق بمستقبل التحالفات، يعتقد أبو زيد أن المنطقة قد تشهد ظهور أطر تعاون جديدة تضم السعودية والأردن ومصر وسورية وتركيا، لكنها ستكون أقرب لتحالفات سياسية وأمنية منها إلى تحالفات عسكرية تقليدية.
ويؤكد أن فرص نجاح هذه الترتيبات لن تكون سهلة، لأن القوى الإقليمية المنافسة ستنظر إليها باعتبارها مشاريع قادرة على التأثير في موازين القوى مستقبلاً، ما قد يدفع بعض الأطراف لمحاولة إضعافها أو تعطيلها.
كما يلفت إلى أن تراجع الثقة المطلقة بالمظلة الأمنية الأميركية، دفع عدداً من الدول العربية إلى مراجعة سياساتها الخارجية والبحث عن شراكات أكثر تنوعاً، سواء مع أوروبا أو حلف شمال الأطلسي أو قوى دولية أخرى.
إعادة تشكيل المشهد الإقليميمن جهته، يرى المحلل السياسي د.
عامر السبايلة أن المنطقة دخلت بالفعل مرحلة إعادة تشكيل شاملة ستنعكس على مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية.
ويؤكد أن الحرب الحالية تمثل نقطة تحول كبرى دفعت مختلف اللاعبين الإقليميين لإعادة حساباتهم استعداداً لمرحلة مختلفة عما كان سائداً خلال السنوات الماضية.
ويشير إلى أن حالة الترقب السائدة في المنطقة دفعت عدداً من الدول إلى تكثيف تحركاتها السياسية والدبلوماسية، في محاولة لضمان موقع متقدم داخل النظام الإقليمي الذي قد يتشكل بعد انتهاء الحرب.
ويعتبر أن البحث عن التحالفات الجديدة لا يرتبط فقط بالاعتبارات الأمنية، بل أيضاً بالرغبة في ضمان دور مؤثر ضمن معادلات المستقبل، ما يفسر تنامي الحراك بين عدد من العواصم الإقليمية خلال الفترة الأخيرة.
ويؤكد أن الاقتصاد أصبح أحد أبرز محركات السياسات الإقليمية، موضحاً أن مشاريع الربط الإقليمي والممرات التجارية وخطوط السكك الحديد باتت تمثل جزءاً أساسياً من التنافس الجاري على النفوذ.
فالدول لم تعد تنظر للنفوذ من زاوية القوة العسكرية فقط، بل أصبحت تركز على القدرة على التحكم بحركة التجارة والطاقة والاستثمارات، وعلى امتلاك البنية التحتية التي تمنحها دوراً محورياً في الاقتصاد الإقليمي والدولي.
ويرى أن جزءاً كبيراً من التحركات السياسية الراهنة يرتبط بالاستعداد لمشاريع اقتصادية ضخمة قد تعيد رسم خريطة المصالح في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.
ويضيف أن الجغرافيا السياسية نفسها أصبحت جزءاً من عملية إعادة التشكيل، خصوصاً بالمناطق المحاذية لإسرائيل في سورية ولبنان والعراق، والتي قد تتحول لساحات أساسية في أي ترتيبات إقليمية جديدة.
الأزمة الأميركية الإيرانية وتداعياتهاوتبرز الأزمة الأميركية الإيرانية باعتبارها أحد أهم العوامل المؤثرة في شكل الشرق الأوسط المقبل.
فالتوتر المتصاعد بين واشنطن وطهران لم يعد محصوراً في الملف النووي أو النفوذ الإقليمي، بل أصبح مرتبطاً بمستقبل الأمن الإقليمي والممرات البحرية وأسواق الطاقة العالمية.
وخلال الأشهر الأخيرة تصاعدت حدة المواجهة السياسية والعسكرية غير المباشرة بين الطرفين، وسط مخاوف من اتساع دائرة الصراع إلى مناطق حيوية مثل الخليج ومضيق هرمز والبحر الأحمر.
ويرى مراقبون أن هذه الأزمة دفعت العديد من الدول العربية إلى تبني سياسات أكثر حذراً، تقوم على احتواء التصعيد وتجنب الانخراط في محاور حادة، مع التركيز على حماية المصالح الاقتصادية وضمان استقرار حركة التجارة والطاقة.
كما ساهمت الأزمة بتعزيز التوجه نحو بناء شبكات علاقات أكثر مرونة، تجمع بين الشراكات الأمنية التقليدية والانفتاح على قوى دولية وإقليمية متعددة، وهو ما يعكس تحولاً واضحاً في طبيعة التفكير الإستراتيجي لدول المنطقة.
أما الخبير الأمني والإستراتيجي د.
بشير الدعجة، فيرى أن الشرق الأوسط يقف بالفعل أمام مرحلة إعادة تعريف لمصادر القوة والنفوذ.
ويؤكد أن القوة العسكرية لم تعد العامل الحاسم الوحيد في تحديد مكانة الدول، بل أصبحت جزءاً من منظومة أوسع تشمل الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والموانئ والممرات التجارية وسلاسل الإمداد العالمية.
ويعتبر أن المنطقة دخلت مرحلة انتقال من منطق الجغرافيا التقليدية إلى منطق الجيو اقتصاد، حيث باتت السيطرة على الممرات البحرية والأسواق والتكنولوجيا أكثر أهمية من السيطرة على الأراضي وحدها.
ومن هذا المنطلق، يتوقع الدعجة ظهور تكتلات اقتصادية وأمنية جديدة تقوم على المصالح المشتركة وحماية الاستثمارات والبنية التحتية الحيوية، خصوصاً في ظل تنامي حجم الاستثمارات والصناديق السيادية العربية.
تركيا والخليج.
الرابح الأكبر؟ويجمع عدد من الخبراء على أن تركيا ودول الخليج تبدوان من أكثر الأطراف قدرة على الاستفادة من التحولات الجارية.
فتركيا تمتلك موقعاً جغرافياً فريداً يجعلها حلقة وصل بين الشرق والغرب، كما تملك قاعدة صناعية وعسكرية متطورة تسمح لها بلعب دور مؤثر في الترتيبات الإقليمية المقبلة.
ويشير الدعجة إلى أن أنقرة نجحت خلال السنوات الماضية ببناء أدوات نفوذ متعددة، سواء عبر حضورها في ملفات سورية والعراق وليبيا وشرق المتوسط، أو عبر تطوير صناعاتها الدفاعية وتعزيز مكانتها الاقتصادية.
أما دول الخليج، فقد عززت مكانتها عبر تنويع اقتصاداتها وتطوير بنيتها التحتية واستثماراتها العالمية، ما منحها دوراً محورياً في معادلات الطاقة والتجارة والتمويل.
ويلفت الخبراء إلى أن الخليج بات يمتلك أدوات تأثير تتجاوز النفط، تشمل الاستثمار والتكنولوجيا والطاقة المتجددة والمشاريع اللوجستية الكبرى، وهو ما يجعله أحد أهم مراكز الثقل في أي نظام إقليمي جديد.
تغير أولويات القوى الكبرىوفي موازاة التحولات الإقليمية، تشهد أولويات القوى الدولية تغيرات متسارعة.
فالولايات المتحدة لم تعد تنظر إلى الشرق الأوسط باعتباره الساحة الأولى لمصالحها الإستراتيجية، بعدما أصبح تركيزها موجهاً بدرجة أكبر نحو مواجهة الصعود الصيني في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
ومع ذلك، لا يعني هذا التراجع انسحاباً أميركياً من المنطقة، بل إعادة توزيع للموارد والأدوار بما يتناسب مع التحديات الجديدة.
وفي المقابل، تواصل الصين تعزيز حضورها الاقتصادي والدبلوماسي في الشرق الأوسط، مدفوعة بحاجتها إلى تأمين الطاقة وحماية مصالحها التجارية المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق.
أما روسيا، فرغم انشغالها بالحرب الأوكرانية، فإنها ما تزال حريصة على الحفاظ على مواقع نفوذها في المنطقة، خصوصاً في سورية وشرق المتوسط.
وتشير هذه المعطيات إلى أن الشرق الأوسط يتجه نحو نموذج أكثر تعددية، تتنافس فيه عدة قوى دولية وإقليمية دون أن تتمكن أي منها من فرض هيمنة كاملة على المشهد.
القضية الفلسطينية بين التهميش والعودةورغم تعدد الملفات والأزمات، تبقى القضية الفلسطينية حاضرة في قلب النقاش حول مستقبل الشرق الأوسط.
فبينما يرى بعض المحللين أن تعدد الأزمات أدى إلى تراجع الاهتمام الدولي والإقليمي بالقضية الفلسطينية، يؤكد آخرون أن الحرب الأخيرة أعادت تسليط الضوء على استحالة تجاوز هذا الملف أو بناء استقرار دائم من دونه.
ويحذر السبايلة من أن القضية الفلسطينية قد تدفع الثمن الأكبر في ظل تزاحم الأولويات الإقليمية والدولية، خصوصاً مع استمرار محاولات فرض وقائع جديدة على الأرض.
في المقابل، يعتبر أبو زيد أن القضية ما تزال تمتلك عوامل بقاء قوية، وفي مقدمتها الدعم الشعبي العربي الواسع، إضافة إلى إدراك متزايد بأن تجاهلها لا يؤدي إلى الاستقرار بل إلى مزيد من التوتر والانفجار.
كما يرى الدعجة أن التطورات الأخيرة أثبتت عودة القضية الفلسطينية إلى صدارة المشهد الدولي بعد سنوات من محاولات تهميشها أو تجاوزها.
ويؤكد الخبراء أن أي مشروع لبناء شرق أوسط جديد، لن يكتب له النجاح ما لم يتضمن معالجة جدية وعادلة للقضية الفلسطينية، باعتبارها أحد أهم مفاتيح الأمن والاستقرار في المنطقة.
وفي قراءة أوسع للمشهد، يرى الباحث والمحلل السياسي د.
منذر الحوارات، أن المنطقة لا تشهد ولادة مكتملة لشرق أوسط جديد، بل بداية انهيار تدريجي لقواعد الشرق الأوسط القديم.
ويؤكد أن ما يجري اليوم يعكس تحولاً نحو البراغماتية في تشكيل التحالفات، حيث تتجه دول الخليج إلى تنويع شراكاتها، فيما تتعزز مكانة تركيا، وتبقى إيران وإسرائيل عنصرين رئيسيين في معادلة التوازن والصراع.
ويشير إلى أن الولايات المتحدة ستظل حاضرة في المنطقة، لكنها ستكون أكثر اعتماداً على الشركاء الإقليميين، بينما ستسعى القوى الأخرى إلى استثمار أي فراغ أو فرصة لتعزيز نفوذها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك