عمان -عند ساعات الفجر الأولى، تبدأ عزيزة البدول يومها من منزلها في منطقة أم صيحون بلواء البترا، لكن رحلتها إلى العمل لا تبدأ بحافلة أو وسيلة نقل عام منتظمة كما هو الحال في المدن، بل بمحاولة البحث عن أي وسيلة تمكنها من الوصول إلى مكان عملها، قبل أن يبدأ يوم العمل في مدينة البترا، تكون قد قطعت جزءاً من رحلتها الشاقة وفي أحيان كثيرة تضطر لاستخدام وسائط بديلة للوصول إلى عملها، فيما تصل كلفة النقل بالمركبات الخاصة التي تعمل مقابل اجر إلى مستويات تفوق قدرة كثير من سكان المنطقة.
اضافة اعلانهذه المعاناة اليومية لا تخص البدول وحدها، بل تعكس واقعاً يواجهه مواطنون في عدد من القرى والمناطق الطرفية في المملكة، حيث ما تزال رحلة الوصول إلى الجامعة أو مكان العمل أو المستشفى أو الدائرة الحكومية أكثر تعقيداً وكلفة من الرحلة بين المدن.
وتأتي هذه التحديات في وقت تظهر فيه بيانات الربع الأول من العام الحالي للبرنامج التنفيذي لرؤية التحديث الاقتصادي للأعوام 2026-2029 وصول نسبة تغطية خدمات النقل العام للمناطق الجغرافية المأهولة بالسكان إلى 70 %، في مؤشر يعكس التقدم الذي تحقق في القطاع خلال السنوات الأخيرة.
إلا أن قصص المواطنين في بعض القرى والأطراف تكشف أن الوصول الفعلي إلى الخدمة ما يزال يمثل تحدياً قائماً في عدد من المناطق.
ويعد النقل العام أحد المحركات الرئيسية لرؤية التحديث الاقتصادي، ليس فقط باعتباره وسيلة تنقل، بل بوصفه أداة لربط المواطنين بفرص العمل والتعليم والخدمات الصحية، وتقليل الكلف المعيشية، وتعزيز المشاركة الاقتصادية، خصوصاً في المحافظات والمناطق البعيدة عن مراكز النشاط الاقتصادي.
ويضم قطاع النقل العام في المملكة نحو 1950 خطاً، منها 1378 خطاً داخلياً و572 خطاً رئيسياً، فيما يبلغ عدد المركبات العمومية العاملة نحو 5202 مركبات، وتشكل حافلات الشركات ومشاريع النقل المنتظم نحو 15 % من أسطول النقل العام، في حين يستخدم خدمات النقل العام قرابة نصف مليون راكب يومياً، وفق بيانات هيئة تنظيم النقل البري.
عندما تصبح كلفة الوصول عبئاً يومياًفي أم صيحون والتي يقطنها أكثر من خمسة آلاف نسمة، وتقع ضمن ست قرى في لواء وادي موسى تشاركها المعاناة، لا تقتصر المشكلة على العاملين فقط، بل تمتد إلى الطلبة والمرضى ومراجعي المؤسسات الحكومية.
تقول البدول إن المنطقة تضم نحو 150 طالباً جامعياً، إضافة إلى أعداد كبيرة من الموظفين وطلبة المدارس والمراجعين الذين يعتمدون على التنقل اليومي إلى وادي موسى والمناطق المجاورة حيث مجمع الباصات، وتوضح أن الوصول إلى المستشفى الوحيد في المنطقة قد يكلف نحو 10 دنانير في بعض الحالات، فيما تتوقف خيارات النقل المتاحة له بعد ساعات الظهر، ما يزيد من صعوبة تنقل المرضى وكبار السن.
كما يشكو السكان من إحجام بعض سائقي سيارات الأجرة عن تلبية طلباتهم أو نقلهم من وإلى المنطقة، بحجة تركيز عملهم على خدمة الحركة السياحية، الأمر الذي يضاعف من معاناة الأهالي ويحد من قدرتهم على الوصول إلى الخدمات الأساسية.
في محافظة جرش، تواجه امتياز القاسم، وهي طالبة في جامعة البلقاء التطبيقية وتسكن منطقة برما، معاناة مشابهة.
فالمنطقة التي يقطنها نحو 20 ألف نسمة تفتقر إلى خدمات نقل عام منتظمة، ما يدفع الطلبة والموظفين إلى الاعتماد على سيارات خاصة تعمل مقابل الأجر.
وتقول القاسم إن كلفة التنقل اليومية تشكل عبئاً متزايداً على الطلبة والأسر، خصوصاً في ظل غياب خطوط نقل تخدم مناطق" برما والمجدل والجزازة وريمون"، مشيرة إلى أن بعض الطلبة يضطرون لدفع ما يصل إلى 8 دنانير يومياً وبكلف مرتفعة مقارنة بمستويات الدخل للوصول إلى جامعاتهم، فضلاً عن المخاوف المرتبطة باستخدام مركبات خاصة تعمل مقابل أجر وما يرافق ذلك من مخاوف تتعلق بالأمان والانتظام في الخدمة.
ولا يختلف الأمر كثيرا في بلدة إبدر بمحافظة إربد، يقول هاشم الدقامسة إن المواطنين يواجهون مشكلة مزمنة منذ سنوات بسبب عدم وصول الحافلات المخصصة للمنطقة بشكل منتظم، موضحاً أن أحد الباصات العاملة على الخط انتهى ترخيصه منذ سنوات، فيما تم تحويل مسار باص آخر، الأمر الذي أجبر الموظفين والطلبة ومراجعي المستشفيات والدوائر الحكومية على استخدام سيارات خاصة تعمل مقابل أجر أو السير لمسافات طويلة للوصول إلى الطريق الرئيسي.
ويضيف أن الأهالي تقدموا بشكاوى متكررة للجهات المعنية، إلا أن المشكلة ما تزال قائمة، فيما تتكرر الشكاوى ذاتها في قرى ومناطق أخرى في محافظات عجلون والزرقاء وإربد بسبب غياب الخطوط أو عدم التزام بعض المشغلين بالوصول إلى المناطق الطرفية.
وتتكرر الشكاوى ذاتها، بحسب مواطنين التقتهم الغد، في عدد من قرى عجلون والزرقاء وإربد والمفرق ومناطق أخرى، حيث تتفاوت الأسباب بين غياب الخطوط من الأساس أو عدم وصول بعض المشغلين إلى المناطق الطرفية بحجة ضعف الجدوى الاقتصادية.
ولا تقتصر آثار المشكلة على التنقل فقط، بل تمتد إلى أبعاد اقتصادية واجتماعية أوسع.
فارتفاع كلف الوصول إلى العمل أو الجامعة يعني استنزاف جزء من دخل الأسر، فيما تؤدي صعوبة التنقل إلى تقليص فرص العمل المتاحة أمام بعض الفئات، خاصة النساء والشباب في المناطق البعيدة.
كما أن محدودية الوصول إلى وسائل النقل العام تدفع بعض المواطنين إلى الاعتماد على مركبات خاصة تعمل مقابل الأجر خارج المنظومة المنظمة، وهو ما يضيف أعباء مالية ويثير تساؤلات تتعلق بالسلامة والتأمين والحماية القانونية للمستخدمين.
ويرى خبير الطرق والمرور المهندس عبدالرحيم الوريكات إن المشكلة ترتبط بعدة عوامل، من بينها عدم وجود مشغلين يخدمون هذه الخطوط وعدم التزام بعض الخطوط بالوصول إلى المناطق الطرفية أو انتقال بعض المشغلين إلى مسارات أكثر جدوى اقتصادياً، إضافة إلى ضعف العائد المالي لبعض الخطوط مقارنة بكلف التشغيل.
ويؤكد الوريكات أن النتيجة النهائية لهذه الاختلالات تتمثل في تحميل المواطنين كلفاً إضافية واستنزاف وقتهم اليومي، فضلاً عن لجوء البعض إلى وسائل نقل غير منظمة لا توفر الضمانات الكافية للمستخدمين.
بين التغطية والوصول الفعليوفي إشارة إلى هذه الفجوة، وصف مدير عام هيئة تنظيم النقل البري المهندس رياض الخرابشة في تصريحات سابقة خلال منتدى التواصل الحكومي خدمات النقل في الأردن بأنها تفتقد إلى خدمة" الكيلو متر الأخير"، قائلاً إن المواطن يتمكن من الوصول إلى موقف النقل العام في منطقته، لكنه يفتقد في كثير من الأحيان إلى وسيلة توصله إلى منزله, مشيرا أن الهيئة تعتزم طرح دعوات تشغيل جديدة لخدمة مناطق غير مخدومة أو انقطعت عنها خدمات النقل العام في المحافظات، وان الهيئة ستقوم بتعميم تجربة" خدمة الحي" في مختلف محافظات المملكة بعد نجاحها في عدد من مناطق العاصمة.
وينسجم كلام الخرابشة مع الوريكات الذي أكد أن معالجة المشكلة تتطلب النظر إلى النقل العام بوصفه خدمة أساسية وليست مجرد نشاط اقتصادي، مشيراً إلى أهمية تطوير نماذج تشغيل مرنة للمناطق الأقل كثافة سكانية، والاستفادة من التعديلات التي تسمح باستخدام مركبات أصغر على الخطوط ذات الطلب المحدود، إضافة إلى طرح عطاءات تشمل خطوطاً مرتفعة ومنخفضة الربحية لضمان استدامة الخدمة في مختلف المناطق.
وبينما تشير المؤشرات الرسمية إلى توسع تغطية خدمات النقل العام وارتفاع نسبة المناطق المأهولة المشمولة بالخدمة إلى 70 %، فإن قصص المواطنين في عدد من القرى والأطراف تطرح سؤالاً مختلفاً يتعلق بمدى وصول الخدمة فعلياً إلى المستخدمين وانتظامها وكلفتها.
وفي محاولة للوقوف على خطط معالجة هذه التحديات، تواصلت" الغد" مع هيئة تنظيم النقل البري ووجهت إليها أسئلة حول واقع خدمات النقل في القرى والأطراف، وآليات الرقابة على الخطوط، وخطط تحسين الخدمة في المناطق الأقل حظاً، إلا أنها لم تتلقَّ رداً حتى موعد نشر المادة.
اما النسبة لعزيزة البدول وآلاف المواطنين الذين يبدؤون رحلتهم اليومية قبل الوصول إلى أقرب حافلة، فإن نجاح خطط تطوير النقل لن يقاس بعدد الخطوط أو المركبات فقط، بل بقدرتها على جعل الوصول إلى العمل والتعليم والعلاج حقاً متاحاً للجميع، مهما ابتعدت قراهم عن مراكز المدن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك