عمان- يوثق الدكتور يوسف عراقي مسيرة حياة حافلة بالتجارب الإنسانية والوطنية في كتابه" حدود المنفى: قطار ومحطات"، الصادر بالتعاون بين نادي حيفا الثقافي ودار الشامل للنشر والتوزيع.
اضافة اعلانيستعيد المؤلف في هذا الكتاب محطات من طفولته وشبابه وتنقلاته بين المنافي، مقدماً شهادة شخصية تتقاطع فيها الذاكرة الفردية مع التحولات الكبرى التي شهدها الوطن والعالم على مدى عقود.
ويأتي الكتاب بوصفه رحلة تأملية في الزمن، تجمع بين السيرة الذاتية والتوثيق الإنساني، وتضيء على قضايا الهوية والانتماء والمنفى، بلغة صادقة تنطلق من التجربة الحياتية والمعرفة الواسعة التي اكتسبها المؤلف خلال مسيرته المهنية والإنسانية.
ويقول المؤلف في مقدمة كتابه إن مرحلة الطفولة والصبا كانت حافلة بمزيج من أحلام اليقظة والتطلعات، إذ كان ينظر إلى العالم عبر خياله بوصفه عالماً سحرياً تغلفه الرومانسية والضبابية.
وبعد خمسة وسبعين عاماً، يقف على" شرفة المنفى" مستحضراً ذكرياته بعد رحلة طويلة قادته إلى أقاصي الأرض، متأملاً ما حملته سنوات العمر من آمال وأمنيات.
ويضيف أن الأحلام لم تكن ملاذاً آمناً بقدر ما كانت دافعاً للنهوض من جديد كلما تدخلت الأقدار في مجرى الأحداث.
وبينما كانت السنوات تمضي سريعاً كالأيام، بقيت بعض اللحظات راسخة في الذاكرة، يتمنى لو توقف الزمن عندها.
ويرى أن الكتاب يمثل رحلة استرجاعية في الزمن بحثاً عن حلم لم يكتمل، تحقق جزء منه بعد سنوات من الكفاح والجهد.
ويتابع أن رحلته في أعماق النفس تشابكت فيها الأحلام والذكريات والمعاناة والتحديات، وأن بعض المشاعر تبقى حية رغم مرور الزمن، فيثير استحضارها القشعريرة والحنين والدموع.
ويشير إلى أنه كان يتمنى لو امتلك ذاكرة توثق كل التفاصيل كما تفعل آلة التصوير، ليتمكن من نقل تلك اللحظات العالقة في وجدانه منذ الطفولة المبكرة.
فقد كانت سنوات النكبة وما رافقها من معاناة وحرمان تمتزج فيها قسوة الواقع بعوالم الخيال والأساطير، لترافقه في رحلة امتدت من الصبا والشباب إلى العمر المتقدم.
ويعرب عن أمله في أن تسعفه الذاكرة ويعينه التعبير اللغوي على نقل تلك المشاعر والأحاسيس بصدق وأمانة، بعيداً عن اندفاع الشباب وأحكام الشيخوخة.
ويقول عراقي إنه تعمّد إغفال بعض الأحداث لعدم تيقنه من دقة تفاصيلها أو تواريخها بعد مرور سنوات طويلة، التزاماً بالأمانة الأخلاقية والمصداقية العلمية.
كما يعتذر عما قد يبدو من إسهاب في السرد أو التوقف عند بعض التفاصيل، مؤكداً أن ذلك جاء وفاءً للأماكن التي عاش فيها وللأشخاص الذين تركوا أثراً في حياته.
ويؤكد أن السيرة الذاتية الحقيقية تقوم على ثقافة الاعتراف والانكشاف على الحقيقة، بعيداً عن تضخيم الإنجازات الشخصية أو تمجيد الذات، مع التركيز على الناس والبيئات التي أثرت في مسيرة الإنسان أو تأثرت به.
ويشير إلى أن فكرة كتابة مذكراته بدأت مبكراً على هيئة رسائل كان يوجهها إلى أبنائه منذ استقراره في مملكة النرويج قبل نحو ستة وثلاثين عاماً، إلا أن تحويلها إلى كتاب لم يتبلور إلا في السنوات الأخيرة بعد التقاعد، حيث أتاح له الوقت فرصة العودة إلى الذكريات وتوثيقها.
ويضيف أن الفكرة نضجت بتشجيع وإلحاح من بعض الأصدقاء، ويرى أنها ظاهرة قد تفسَّر نفسياً لدى من يتجاوزون العقد الثامن من العمر، حين يزداد الميل إلى مراجعة محطات الحياة وتأمل مسيرتها.
ويلفت إلى أن الشيخوخة لا تأتي وحدها، بل ترافقها تحديات صحية ومتاعب جسدية متعددة، من ضعف السمع والبصر إلى النسيان وتزايد الآلام.
ومع ذلك، فإنها تدفع الإنسان إلى إعادة ترتيب أولوياته، فتضيق دائرة العلاقات الاجتماعية وتقتصر غالباً على الأسرة والأصدقاء المقربين، فيما تتيح وسائل التواصل الاجتماعي نافذة للتواصل مع رفاق الماضي واستعادة الذكريات.
فكل مرحلة عمرية لها خصوصيتها ومزاياها، وإن النظر إلى الشيخوخة بإيجابية يمنح الإنسان قوة نفسية وجسدية، فهي مرحلة تتجلى فيها الحكمة والتعقل ثمرةً لخبرة حياتية طويلة.
ويأمل عراقي أن يشارك القارئ هذه السيرة بحلوها ومرّها، مستفيداً من تجربته طبيباً أُتيح له الاحتكاك بأنماط متنوعة من البشر، من جنسيات وثقافات ومشارب مختلفة.
كما أسهمت المنافي المتعددة التي عاش فيها في توسيع آفاقه المعرفية وتعميق فهمه للشعوب، وصولاً إلى قناعة راسخة بأن الإنسان يبقى إنساناً أينما كان، مهما اختلفت معتقداته وخلفياته.
ويرى أن من الضروري في عالمنا المعاصر أن يتعلم الإنسان فهم علاقته بالآخرين وبذاته الداخلية، بما تحمله من أبعاد جسدية وعقلية ونفسية معقدة.
فالإنسان، في نظره، هو أثمن ما في الوجود، وإذا انحدرت قيمه وسلوكياته فقدت كثير من منجزات الحضارة معناها وقيمتها.
ويؤكد أنه لم يروِ في هذه السيرة إلا ما عرفه مباشرة أو شاهده بنفسه، التزاماً بالصدق والدقة، مستحضراً قول المتنبي: " خذ ما تراه ودع شيئاً سمعت به/في طلعة البدر ما يغنيك عن زحل".
كما يعرب عن امتنانه العميق للأساتذة والمفكرين الذين أثروا معارفه من خلال محاضراتهم وكتبهم، وللأصدقاء والزملاء الذين أغنت حواراتهم تجربته الفكرية والإنسانية.
ويشير إلى أن العالم شهد خلال العقود السبعة الماضية تحولات هائلة جعلته مختلفاً تماماً عما عرفه في بدايات وعيه.
فالتقدم التكنولوجي والثورة الرقمية أحدثا نقلة غير مسبوقة في حياة البشر، غير أن هذه التحولات جاءت، في كثير من الأحيان، على حساب القيم الأخلاقية والإنسانية والاجتماعية، في ظل تنامي النزعة الفردية والمادية التي ألقت بظلالها على العلاقات بين الأفراد والشعوب.
لقد بتنا نعيش في عالم يختلف كثيراً عن ذلك الذي تفتحت عيناي عليه.
عالم يتغير بوتيرة متسارعة، فقد معه كثيراً من ملامحه القديمة وقيمه الراسخة.
وربما تتشابه تجربتي مع تجارب كثيرين من أبناء جيلي، أو تختلف عنها في بعض التفاصيل، لكن الحياة تبقى في جوهرها رحلة واختباراً مستمراً للإنسان، بما له وما عليه.
وعلى الرغم من أن رؤيتي للأحداث أصبحت أكثر نضجاً مع مرور الزمن، فإن ذلك لم يمس جوهر الوقائع أو حقيقة ما جرى، إذ حرصت على الالتزام بالدقة والموضوعية قدر الإمكان.
فالذاكرة لا تكتسب قيمتها إلا إذا أسهمت في إضاءة الحاضر واستشراف المستقبل.
مشيرا إلى أنه قسم الكتاب إلى مراحل زمنية متعاقبة، تبدأ بالطفولة والصبا، ثم الشباب، وصولاً إلى المحطات اللاحقة في البلدان التي عاش فيها للدراسة أو العمل أو الاستقرار.
رافقتني الأسئلة الكبرى منذ مطلع شبابي، وكانت تزداد عمقاً واتساعاً مع مرور السنين، فيما ظلت كثير من الإجابات بعيدة المنال.
وقد حاولت الالتزام بالتسلسل الزمني للأحداث وأهمية الوقائع، مع إدراكي أن الذاكرة البشرية تبقى عرضة لبعض النقص أو الالتباس، خاصة في استعادة التفاصيل البعيدة.
ولهذا وردت في السيرة أسماء حقيقية في بعض المواضع، وأسماء مستعارة أو مختصرة في مواضع أخرى، احتراماً لخصوصية أصحابها.
كما استعنت أحياناً بالمخيلة السردية لإضفاء لمسة أدبية على بعض المشاهد، دون المساس بحقيقة الأحداث أو صدقية مضمونها.
ومن خلال تجربتي الشخصية، ترسخت لدي قناعة بأن الحق يحتاج إلى قوة تحميه وتدافع عنه.
ومن أهم مصادر هذه القوة العلم والمعرفة؛ فهما استثمار الإنسان الحقيقي ورأسماله الذي لا يمكن مصادرته، ويحمله معه أينما ارتحل.
وخلص إلى أن ضياع الوطن لم يكن نتيجة المؤامرات وحدها، بل كان للجهل نصيب في ذلك أيضاً.
ورغم سنوات المنفى الطويلة وما أحدثته العولمة من تحولات في مفاهيم الهوية والانتماء، بقيت هويتي الوطنية راسخة لم تتبدل، وبقي حلم العودة حياً في الذاكرة والوجدان.
وما زلت أرجو العودة إلى وطن ديمقراطي يقوم على التعددية والعدالة والمساواة أمام القانون، وطن يتسع لجميع أبنائه، ما دام في العمر بقية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك