وقعت الولايات المتحدة وإيران في باريس يوم الأربعاء 17 حزيران/ يونيو على مذكرة تفاهم تمهد لإنهاء الحرب بينهما بشكل دائم.
لكن القراءة الدقيقة للمذكرة، تكشف أن ثمة فراغات حقيقية تتضمنها هذه المذكرة، الأمر الذي سيرهن كل شيء بمدة الـ 60 يوما المحددة في المذكرة للوصول إلى حل نهائي، مع إمكانية تمديد هذه المهلة بموافقة الطرفين.
فالمذكرة لا تتحدث عن اتفاق ثنائي، بل عن اتفاق يشمل حلفاء الطرفين أيضا، ومن الواضح أن المقصود هنا لبنان وإسرائيل بشكل أساسي، فضلا عن الميليشيات الوكيلة لإيران، في العراق واليمن بشكل ضمني.
وهي تنص على «الامتناع عن شن أي حرب أو عملية عسكرية ضد بعضهم البعض»، دون أن الإشارة إلى وضع الأراضي اللبنانية التي احتلتها إسرائيل في سياق هذه الحرب، فهل يعني وقف إطلاق النار إبقاء الجنوب تحت الاحتلال مع عدم السماح لحزب الله بمقاومته؟ أو أن حماس/ قطاع غزة، بوصفها حليفا لإيران، مشموله بهذه الفقرة أيضا؟والسؤال هنا هل يمكن للولايات المتحدة فعلا أن تضمن عدم قيام إسرائيل بعمليات عسكرية ضد إيران مستقبلا؟ خاصة وأن ملف الصواريخ البالستية، وهو الأكثر تهديدا لإسرائيل، لم يكن حاضرا مطلقا كما يبدو واضحا من تصريحات ترامب الأخيرة، عندما قال إن دولا عديدة تمتلكها «ومن العدالة أن تمتلكها إيران أيضا»المذكرة تحدثت أيضا عن رفع الولايات المتحدة الحصار البحري عن إيران خلال 30 يوما، وأن تقوم «بسحب قواتها من المناطق القريبة من إيران في غضون 30 يوما من الاتفاق النهائي».
وهذا يعني أن القوات الأمريكية ستبقى في مواقعها حتى توقيع الاتفاق النهائي، مع غموض عبارة «المناطق القريبة من إيران»، فهذه العبارة سيفسرها كل طرف كما يشاء، لأن الأسطول الخامس للبحرية الأمريكية يتخذ من المياه الإقليمية البحرينية مقرا له، وهو يضم حاملة طائرات ومدمرات وغواصات وبضعة آلاف من الجنود، وهو يستخدم المياه الدولية في الخليج العربي بشكل يومي، فهل ستعد هذه القوات قريبة أم بعيدة؟ وواضح من الصياغة أن المقصود هنا هي القوات الأمريكية التي استقدمت في سياق التحضير للحرب، وهذه القوات كانت ستنسحب حكما عند التوصل الى اتفاق نهائي!المذكرة تحدثت أيضا عن ضمان إيران مرور السفن التجارية عبر مضيق هرمز، دون رسوم لمدة 60 يوما، وإزالة الألغام خلال 30 يوما.
وهذا يعني عمليا أن إيران ستستخدم حجة الألغام خلال هذه الـ 30 يوما لمنع عودة حركة الملاحة متناسبة مع ما كانت عليه قبل الحرب، كما نصت المذكرة؛ أولا لمنع انهيار أسعار النفط كثيرا عن المعدل الذي وصلت اليه، وثانيا للضغط على المفاوض الأمريكي بالإبقاء على أزمة الطاقة لأطول مدة ممكنة!المذكرة تضمنت أيضا عبارة عائمة، قابلة للتفسيرات المتباينة، بالقول إن إيران ستجري «حوارا مع عُمان لتحديد إدارة الخدمات البحرية في مضيق هرمز مستقبلا»، فهذه العبارة، التي من الواضح أن إيران هي من أصرت عليها، تعيد فتح الباب أمام المحاولة الإيرانية لعد مضيق هرمز ممرا إيرانيا وليس ممرا دوليا يسمح فيه بالمرور البريء (وفق اتفاقية جنيف للبحر الإقليمي لعام 1958 التي صادقت عليها إيران)، أو المرور العابر (وفقا لاتفاقية قانون البحار لعام 1982 والذي لم تصادق عليها ايران)، وبالتالي استيفاء رسوم عن هذا العبور تحت مسميات مختلفة، مثل مسمى الخدمات البحرية.
وهذا أمر لن يقبله النظام العالمي بسهولة، كونه سيشكل سابقة يمكن للدول الأخرى التي لديها السيادة الإقليمية على ممرات دولية، أن تتعكز عليها للمطالبة بالرسوم نفسها (ماليزيا وأندونيسيا بالنسبة لمضيق ملقا، اليمن وجيبوتي وأرتيريا بالنسبة لمضيق باب المندب، تركيا بالنسبة لمضيق البسفور، المغرب واسبانيا بالنسبة لمضيق جبل طارق) وهو ما سيرفع تكلفة النقل البحري المار بهذه المضايق بشكل كبير، لأن هذه الرسوم ستضاف إلى تكلفة النقل وليس إلى تكلفة أصل البضاعة!ليس هناك أي اتفاق حتى اللحظة حول مصير المواد المخصبة بنسبها المختلفة، أو حول التخصيب نفسه، أو حول نسبة التخصيب المسموح بهاأما فقرة إعادة إعمار إيران وتنميتها الاقتصادية، فتبدو لغزا حقيقيا! فالمذكرة نصت على أن تضع الولايات المتحدة مع شركائها الإقليميين «خطة محددة ومتفق عليها بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار أمريكي « كجزء من الاتفاق النهائي، دون تحديد الجهات التي ستقوم بتمويلها؟ وبالعودة إلى ما قاله نائب الرئيس الأمريكي جاي دي فانس في المؤتمر الصحافي قبيل التوقيع على المذكرة: «لاحظوا أنها لا تلزمنا بفعل أي شيء، ولا بدفع سنت واحد لإيران، ولا بالمساهمة في صندوق إعادة الإعمار هذا»! ويضيف أنه «إذا توصلنا إلى اتفاقية نهائيةـ وإن حسَّن الإيرانيون سلوكهم، سنسمح بتخفيف العقوبات، التي ستتيح مثلا للإماراتيين بناء محطة كهرباء في إيران.
هذا كل ما تقوله [المذكرة] إذا نفذوا ما يجب، سنسمح بالاستثمار في إعادة بناء بلادهم»! أي أن الإيرانيين يتحدثون عن صندوق إعادة إعمار، أقرب إلى صندوق التعويضات، عبر مانحين دوليين، فيما تتحدث الولايات المتحدة عن «استثمارات» مشروطة!أما بالنسبة للعقوبات الأمريكية والدولية المفروضة على إيران؛ فالمذكرة تتحدث عن رفعها «وفقا لجدول زمني متفق عليه بين الطرفين كجزء من الاتفاق النهائي».
وهذا يعني أن المذكرة لا تتضمن أي رفع لأي عقوبات مفروضة على إيران خلال هذه الستين يوما، وأن الجدول الزمني سيكون مشروطا بالضرورة، تماما كما استثمارات إعادة الإعمار، باستثناء ما يتعلق بتصدير النفط الخام ومشتقاته، والخدمات ذات الصلة المتعلقة بالتعاملات المصرفية الخاصة بهذا النفط، والتأمين والنقل!اللغز الآخر الذي تضمنته المذكرة، هو مصير المواد المخصبة عموما، وليس فقط بنسبة أكثر من 60%.
فالمذكرة نصت على حل «وفقا لآلية يتم الاتفاق عليها بين الطرفين» ووفقا لجدول زمني سيتضمنه الاتفاق النهائي.
أي أنه، عمليا، باستثناء التعهد الايراني بعدم امتلاك أسلحة نووية أو تطويرها، ليس هناك أي اتفاق حتى اللحظة حول مصير المواد المخصبة بنسبها المختلفة، أو حول التخصيب نفسه، أو حول نسبة التخصيب المسموح بها.
لكن الملاحظة اللافتة هي النص على «تطبيق الحد الأدنى من أساليب التحقق تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، وليس اللجوء إلى الأساليب التي يتضمنها «البروتوكول الإضافي» الذي يتحدث عن معايير «حد أعلى في الرقابة»!أما بالنسبة للأموال الإيرانية المجمدة والمقيدة، فلا تتضمن المذكرة إفراجا فوريا، أو حتى وفق جدول زمني، لأي من تلك الأموال، بل سيتم الاتفاق على الإجراءات المتعلقة بالإفراج عنها خلال المفاوضات! لكن المادة المتعلقة بهذا الموضوع تبدو إشكالية؛ فالمذكرة في المادة 13 تعد تنفيذ هذا البند (وهي المادة 11) شرطا للبدء بمفاوضات الاتفاق النهائي، مع أن المادة نفسها تتحدث عن أن الإجراءات المتعلقة بالإفراج عن تلك الأموال، سيتفق عليها في المفاوضات، فهل المقصود هنا مفاوضات الاتفاق النهائي؟ أم «مفاوضات» أخرى حول هذا الموضوع تسبق مفاوضات الاتفاق النهائي؟وأخيرا تقرر المذكرة أن مفاوضات الاتفاق النهائي لن تبدأ بعد توقيعها مباشرة، بل هي مشروطة بتنفيذ ما ورد فيها!من الصعب بعد كل ما تقدم أن نصف ما حدث بالاتفاق، بل نحن في سياق هدنة، وبالتأكيد سيتم تمديدها إلى ما بعد الـ 60 يوما، لأنه من الصعب الوصول إلى اتفاق نهائي خلالها، هذا إن بدأت هذه المفاوضات أصلا خلال هذه المدة.
فالأكيد هنا أن كل نقاط الخلاف الرئيسية لاتزال عالقة، وأن التوصل إلى حل نهائي لها لا يزال بعيدا!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك